وكان [1] الأصمعي حافظا للغة عالما بغريبها، فطنا عارفا بأشعار العرب وأخبارها وأيامها، وكان صاحب دين، وكان [2] أبوه نذلا خسيسا جاءه عطاء الملك [3] بجماعة من أهل البصرة فوجده ملتفّا، في كساء فركله برجله، وصاح به يا قريب! قم ويلك فقام، فقال له: هل لقيت أحدا من أهل العلم قط، أو من أهل اللغة أو العرب أو من الفقهاء والمحدثين؟ قال: لا والله، [4] (قال: ولا سمعت شيئا ترويه لنا أو تنشدناه أو نكتبه عنك؟ قال: لا والله) . فقال لمن حضر: هذا أبو الأصمعي فاشهدوا لي عليه، وعلى ما سمعتم منه لئلا يقول ولده غدا أو بعد غد:
حدثني أبي أو أنشدني أبي، فنفضحه.
وكان الأصمعي صاحب نوادر وملح ورواية، لا صاحب شعر، وإن كان له شعر ففي غاية القلّة. فلذلك لم نفرده بترجمة تخصّه. وذكرته هنا على سبيل الاستطراد.
وقد روي عنه أنه سئل: لم لا تقول الشّعر؟ فقال: الذي يجيئني لا أرضاه والذي أرضاه لا يجيئني [5] (أو كما قال) . وقال في ذلك [6] : (الطويل)
أبى الشّعر إلّا أن يجيء رديّه ... إليّ ويأبى منه ما كان محكما
فياليتني، إذ لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت أعجما
ومثله [7] عن غير واحد من الجلّة ممّن توقّف عن عمل الشّعر هيبة له لا جهالة به.
ومن شعر إسحاق الموصلي قوله يرثي أباه إبراهيم [8] : (الطويل)
سلام على القبر الذي لا يجيبنا ... ونحن نحيّي تربه ونخاطبه
(1) شرح المقامات 2/ 189بتصرف.
(2) من شرح المقامات 2/ 192بتصرف إلى قوله: «فتفضحه» .
(3) ب: الملك، أج د: الملط، وهو غلط.
وعطاء الملك راو من الرّواة المجهولين، انظر الوفيات 2/ 100.
(4) ما بين القوسين ساقط من ب ج.
(5) ما بين القوسين ساقط من د.
(6) البيتان في زهر الآداب 1/ 245والعمدة 1/ 117.
(7) العمدة 1/ 117.
(8) الأبيات في ديوانه 89والأغاني 5/ 257.