لابد منها، فلم أر أحدا أحقّ بالهجاء مني، ولا أدعى إلى السلامة من هجاء نفسي، فقلت [1] : (الوافر)
ألا أبلغ لديك أبا دلامه ... فلست من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة كان قردا ... وخنزيرا إذا نزع العمامه
جمعت دمامة وجمعت لؤما ... كذاك اللّؤم تتبعه الدّمامه
فإن تك قد أصبت نعيم قوم ... فلا تعجب فقد دنت القيامه
ومن فساد دينه ما ذكره المبرد في كامله [2] أن نصرانيا اختلف إلى أبي دلامة يتطبّب لابن له، فوعده أبو دلامة إن برأ على يديه أن يعطيه ألف درهم. قال: فبرأ ابنه، فقال للمتطبّب: إن الدراهم ليست عندي، ولكن [3] والله لأوّصّلنّها إليك، ادّع بها على جاري فلان، فإنه موسر، وأنا وابني نشهد لك، فليس دون أخذها شيء، فصار النصراني بالجار إلى ابن شبرمة [4] ، فسأله البيّنة، فطلع عليه أبو دلامة وابنه، ففهم القاضي. فلمّا جلسا بين يديه، قال أبو دلامة [5] : (الطويل)
إن الناس غطّوني تغطّيت عنهم ... وإن بحثوا عنّي ففيهم مباحث
فقال ابن شبرمة من ذا الذي يبحثك يا أبا دلامة؟ ثم قال للمدّعي: قد عرفت شاهديك! فخلّ عن خصمك ورح إليّ العشية. فراح إليه فغرمها من ماله.
(1) الأبيات في ديوانه 79وطبقات ابن المعتز 57والأغاني 10/ 258وشرح المقامات 2/ 177. والأبيات الثلاثة الأولى في المحاسن والمساوئ 1/ 204.
ونسب البيتان الأولان في الوفيات 2/ 326لأبي عطاء السّندي مولى بني أسد في هجاء أبي دلامة.
(2) الكامل 2/ 4645بتصرف إلى قوله «فغرمها من ماله» وهذه الحكاية في العمدة 1/ 54والوفيات 2/ 326325.
(3) أب ج د ش: (أين الدراهم؟ ولكن) وفيه نقص، وقد أثبتنا ما في الكامل مصدر المؤلف لهذا الخبر.
(4) هو عبد الله بن شبرمة الضّبّيّ الكوفيّ قاضي الكوفة وهو فقيه وراوية ثقة (144هـ) تاريخ الطبري 7/ 159، 179، 191وميزان الاعتدال 2/ 438.
(5) أول بيتين في ديوانه 37وجاد في ديوانه أنه قالهما في القاضي ابن أبي ليلى، والبيت في الكامل 2/ 46والأغاني 10/ 239والعمدة 1/ 54وحياة الحيوان 1/ 237.