محمود على الوزير المذكور وأوثقه في سجنه عدة من الشهور. ثم امتن عليه بإطلاقه، وتخليصه من وثاقه، فقال قصيدة يذكر فيها بعض أحواله وما جرى عليه، ويشكو من الزمان سوء صنيعه معه ويتأسف [1] ممّا آل أمره إليه، فوشى به بعض حاسديه إلى السلطان محمود، فقتله غير مشكور في فعله ذلك ولا محمود، وفاز المحدّث عنه بالشهادة، لما سبق له في الأزل من سابقة السعادة، وذلك سنة ثمان عشرة وخمس مائة.
وقصيدته التي قالها في ذلك فسقته كأس الحتوف وأوردته هاتيك المهالك، هي من غرر القصائد، ووسائط القلائد، التي رمت في ثغرة البيان بسهم مصيب، وفازت [2] من البراعة بأكمل حظّ وأوفر نصيب وأحرزت من قداح البلاغة معلاها والرقيب، لما تضمنته من المعاني الغريبة، والألفاظ المنتخبة العجيبة، واحتوت عليه من الأمثال والحكم، وهي الموسومة عند أهل الأدب [3] بلامية العجم، فمن ثمّ اعتنوا بها، حفظا وفهما وأكثروا الثناء عليها نثرا ونظما، ووضعوا عليها عدة شروح [4] ، ونزلوها من أجسادهم منزلة الروح، فكان أحدهم لا يغدو إلا بها ويروح، فرحم الله ناظمها وأحسن إليه، ونوّله في دار كرامته، من الرّضوان ما لا مزيد عليه، بمنّه وفضله وكرمه وطوله. والقصيدة [5] المذكورة هي قوله): (تام البسيط)
أصالة الرّأي صانتنى عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
(1) هـ: صنيعه ويترجع ويتأسف. و: صنيعه ويتضجر ويتأسف.
(2) حاشية هـ: وأحرزت.
(3) ب ج: الأدباء.
(4) من أشهر هذه الشروح شرح صلاح الدين الصفدي المسمى (الغيث المسجم) وشرح أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري المتوفى سنة 616هـ وشرح كمال الدين محمد بن موسى الدميري (بعد 769هـ) وشرح ابن جماعة النحوي سعيد بن مسعود الماغوسي (1016هـ) المسمى (إيضاح المبهم من لامية العجم) وشرح علي بن قاسم الطبري (683هـ) والمسمى (حل المبهم والمعجم في شرح لامية العجم) وشرح الشيخ جمال الدين محمد بن عمر بن مبارك الحضرمي (930هـ) المسمى (نثر العلم في شرح لامية العجم) وشرح حسين الكفوي وشرح جلال بن خضر الحنفي المسمى (نبذ العجم عن لامية العجم) وقد ألفه سنة 962هـ. انظر كشف الظنون 2/ 15381537.
(5) ما بين القوسين ساقط من ج.
والقصيدة في ديوانه 309301ومعجم الأدباء 10/ 6860والوفيات 2/ 188185والوافي بالوفيات 12/ 439436والغيث المسجم 1/ 44163، 2/ 4385وإدراك الأماني 2/ 9491.