قصيدتي هذه البردة فعملتها واسشفعت به [1] إلى الله تعالى أن يعافيني، وكرّرت إنشادها وبكيت ودعوت وتوسّلت به ونمت فرأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمسح على وجعي بيده الكريمة وألقى عليّ بردة، فانتبهت ووجدت بيّ نهضة فخرجت من بيتي ولم أكن أعلمت بذلك أحدا فلقيني بعض الفقراء، وقال: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أيها؟
فقال: التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولها، والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيته صلى الله عليه وسلم يتمايل وأعجبته وألقى على من أنشدها بردة. فأعطيته إيّاها. وذكر الفقير ذلك فشاع المنام إلى أن اتّصل بالصّاحب بهاء الدين وزير الظاهر [2] فبعث إليّ واستنسخها [3] ونذر أن لا يسمعها إلّا قائما حافيا مكشوف الرّأس، وكان يحبّ سماعها هو وأهل بيته ثم إنّه بعد ذلك أدرك سعد الدين الفارقي الموقّع [4] رمد أشرف منه على العمى فرأى في المنام قائلا يقول: اذهب إلى الصاحب وخذ البردة واجعلها على عينيك تعاف بإذن الله [5] (تعالى) ، فأتى الصاحب وذكر منامه، فقال: ما أعرف عندي من أثر النبيّ صلى الله عليه وسلم بردة، ثم فكّر ساعة وقال: لعل المراد قصيدة البردة، فأمر الخادم ياقوتا بإخراجها من حقّ العنبر فأتاه بها فأخذها سعد الدين ووضعها على عينيه فعوفيتا، ومن ثم سمّيت البردة والله تعالى أعلم.
(1) ب: بها.
به: أي برسول الله صلى الله عليه وسلم. بها: أي بالقصيدة.
(2) هو بهاء الدين بن حنّا عليّ بن محمد المصري، كان من أكابر الرجال في عصره حزما ودهاء استوزره الملك الظاهر وابنه (677هـ) الفوات 3/ 7876والأعلام 4/ 333.
(3) ج: واستحسنها.
(4) هو سعد الله بن مروان بن عبد الله، كان منشئا بليغا وشاعرا مجيدا، حدّث بمصر ودمشق (691هـ) الفوات 2/ 4847والشذرات 5/ 418.
(5) ما بين القوسين ساقط من ج.