فقال: أتعزم على الرّحيل والرجوع إلى وطنك؟ قلت: نعم، قال: صحبتك السلامة ورزقت العافية. وخرجت من عنده، فما وصلت إلى موضعي حتّى سبقتني خمسة عشر بغلا عليها عصب [1] اليمن ودراهم وضروب من الحبر. فقضيت ديني وتأثّلت منه كثيرا ممّا بيديّ اليوم.
كان معن هذا أمير العراقين أيام بني أمية، وجرت بينه وبين بني العباس حروب شديدة، فلمّا انتقلت الدولة إليهم جعل فيه أبو جعفر المنصور الجعائل لمن [2] يأتيه به قال معن [3] : فاضطررت لشدّة الطّلب إلى أن تعرّضت للشمس حتى تغيّر وجهي وخفّفت عارضيّ وركبت على جمل وعليّ ثياب رثّة، وخرجت إلى البادية لأقيم بها، قال: فلمّا خرجت من باب حرب أحد أبواب بغداد، تبعني أسود متقلّدا سيفا فأمهلني حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض على يدي، فقلت: مالك؟ قال: أنت طلبة أمير المومنين! فقلت: ومن أنا حتى أطلب؟ قال: أنت معن بن زائدة، فقلت يا هذا، اتّق الله، وأين أنا من معن؟
فقال: دع هذا عنك، فو الله إنّي لأعرف بك منك قال: فلمّا رأيت منه الجدّ، قلت له:
هذا جوهر قد حملته معي أضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بي، فخذه ولا تكن سببا في سفك دمي. قال: هاته، فأخرجته إليه، فنظر إليه ساعة ثم قال: صدقت في قيمته ولست قابله منك حتى أسألك عن شيء فإن صدقتني خلّيت سبيلك، فقلت: قل: قال إنّ الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني، هل وهبت ما لك كلّه؟ قلت: لا،
(1) ج: عصف، وهو غلط.
والعصب: ضرب من برود اليمن يعصب غزلها أي يجمع ويشدّ ثم يصبغ وينسج. الحبر جمع حبرة وحبرة وهي ضرب من برود اليمن مخطّط. تأثّل مالا: اكتسبه واتّخذه وثمّره. (اللسان: أثل، حبر، عصب)
(2) ج: لم، وهو غلط.
والجعائل جمع جعيلة أو جعالة: ما جعله له على عمله. الأجر الذي يجعل للإنسان مقابل القيام بعمل.(اللسان:
جعل)
(3) الخبر في الفرج بعد الشدة 2/ 372والوفيات 5/ 246245والوافي بالوفيات ج 26ميكروفيلم.