فهرس الكتاب

الصفحة 1040 من 1604

فلما جاءهم ذلك عنهم أيقنوا بجد القوم فأرسلوا إليهم أن ابعثوا إلينا رجلا من صلحائكم نسأله عما تريدون وما تسألون وما تدعون إليه ونخبره بذات أنفسنا وندعوكم إلى حظكم إن قبلتم

فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل فأتاهم على فرس له فلما دنا منهم نزل عن فرسه ثم أخذ بلجامه وأقبل إليهم يقوده فقالوا لبعض غلمانهم انطلق إليه فأمسك له فرسه فجاء الغلام ليفعل فقال له معاذ أنا أمسك فرسي لا أريد أن يمسكه أحد غيري وأقبل يمشي إليهم فإذا هم هلى فرش وبسط ونمارق تكاد الأبصار تغشى منها فلما دنا من تلك الثياب قام قائما فقال له رجل منهم أعطني هذه الدابة أمسكها لك وادن أنت فاجلس مع هذه الملوك مجالسهم فإنه ليس كل أحد يقدر أن يجلس معهم وقد بلغهم عنك صلاح وفضل فيمن أنت منه فهم يكرهون أن يكلموك جلوسا وأنت قائم فقال لهم معاذ والترجمان يفسر لهم ما يقول إن نبينا صلى الله عليه وسلم أمرناأن لا نقوم لأحد من خلق الله ولا يكون قيامنا إلا لله في الصلاة والعبادة والرغبة إليه فليس قيامي هذا لكم ولكن قمت إعظاما للمشي على هذه البسط والجلوس على هذه النمارق التي استأثرتم بها على ضعفائكم وإنما هي من زينة الدنيا وغرورها وقد زهد الله في الدنيا وذمها ونهى عن البغي والسرف فيها فأنا أجلس هاهنا على الأرض وكلموني أنتم بحاجتكم من ثم وأقيموا الترجمان بيني وبينكم يفهمني ما تقولون ويفهمكم ما أقول ثم أمسك برأس فرسه وجلس على الأرض عند طرف البساط فقالوا له لو دنوت فجلست معنا كان أكرم لك إن جلوسك مع هذه الملوك على هذه المجالس مكرمة لك وإن جلوسك على الأرض متنحيا صنيع العبد بنفسه فلا نراك إلا قد أزريت بنفسك فلما أخبره الترجمان بمقالتهم جثا على ركبتيه واستقبل القوم بوجهه وقال للترجمان قل لهم إن كانت هذه المكرمة التي تدعونني إليها استأثرتم بها على من هو مثلكم إنما هي للدنيا فلا حاجة لنا في شرف الدنيا ولا في فخرها وإن زعمتم أن هذه المجالس والدنيا التي في أيدي عظمائكم وهم مستأثرون بها على ضعفائكم مكرمة لمن كانت في يده منكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت