فهرس الكتاب
فلما جاءهم ذلك عنهم أيقنوا بجد القوم فأرسلوا إليهم أن ابعثوا إلينا رجلا من صلحائكم نسأله عما تريدون وما تسألون وما تدعون إليه ونخبره بذات أنفسنا وندعوكم إلى حظكم إن قبلتم
فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل فأتاهم على فرس له فلما دنا منهم نزل عن فرسه ثم أخذ بلجامه وأقبل إليهم يقوده فقالوا لبعض غلمانهم انطلق إليه فأمسك له فرسه فجاء الغلام ليفعل فقال له معاذ أنا أمسك فرسي لا أريد أن يمسكه أحد غيري وأقبل يمشي إليهم فإذا هم هلى فرش وبسط ونمارق تكاد الأبصار تغشى منها فلما دنا من تلك الثياب قام قائما فقال له رجل منهم أعطني هذه الدابة أمسكها لك وادن أنت فاجلس مع هذه الملوك مجالسهم فإنه ليس كل أحد يقدر أن يجلس معهم وقد بلغهم عنك صلاح وفضل فيمن أنت منه فهم يكرهون أن يكلموك جلوسا وأنت قائم فقال لهم معاذ والترجمان يفسر لهم ما يقول إن نبينا صلى الله عليه وسلم أمرناأن لا نقوم لأحد من خلق الله ولا يكون قيامنا إلا لله في الصلاة والعبادة والرغبة إليه فليس قيامي هذا لكم ولكن قمت إعظاما للمشي على هذه البسط والجلوس على هذه النمارق التي استأثرتم بها على ضعفائكم وإنما هي من زينة الدنيا وغرورها وقد زهد الله في الدنيا وذمها ونهى عن البغي والسرف فيها فأنا أجلس هاهنا على الأرض وكلموني أنتم بحاجتكم من ثم وأقيموا الترجمان بيني وبينكم يفهمني ما تقولون ويفهمكم ما أقول ثم أمسك برأس فرسه وجلس على الأرض عند طرف البساط فقالوا له لو دنوت فجلست معنا كان أكرم لك إن جلوسك مع هذه الملوك على هذه المجالس مكرمة لك وإن جلوسك على الأرض متنحيا صنيع العبد بنفسه فلا نراك إلا قد أزريت بنفسك فلما أخبره الترجمان بمقالتهم جثا على ركبتيه واستقبل القوم بوجهه وقال للترجمان قل لهم إن كانت هذه المكرمة التي تدعونني إليها استأثرتم بها على من هو مثلكم إنما هي للدنيا فلا حاجة لنا في شرف الدنيا ولا في فخرها وإن زعمتم أن هذه المجالس والدنيا التي في أيدي عظمائكم وهم مستأثرون بها على ضعفائكم مكرمة لمن كانت في يده منكم