فإذا أتوه أقبل عليهم فقال لهم اعملوا وأنتم في مهلة وحياة وفي بقية من آجالكم من قبل أن تمنوا العمل فلا تجدوا إليه سبيلا وأنفقوا مما عندكم من قبل أن تهلكوا وتدعوا ذلك ميراثا لمن بعدكم واعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا ما أكلتم وشربتم ولبستم وأنفقتم فأعطيتم فأمضيتم وما سوى ذلك فللوارثين فلما اشتد به وجعه جعل يقول رب اخنقني خنقك فأشهد أنك تعلم أني أحبك
قال وأتاه رجل في مرضه فقال له يا معاذ علمني شيئا ينفعني الله به قبل أن أفارقك فلا أراك ولا تراني ولا أجد منك خلفا ثم لعلي أحتاج إلى سؤال الناس عما ينفعني بعدك فلا أجد فيهم مثلك فقال له يا معاذ كلا إن صلحاء المسلمين والحمد لله كثير ولن يضيع الله أهل هذا الدين ثم قال له خذ عني ما آمرك به كن من الصائمين بالنهار ومن المصلين في جوف الليل ومن المستغفرين بالأسحار ومن الذاكرين الله كثيرا على كل حال ولا تشرب الخمر ولا تزني ولا تعق والديك ولا تأكل مال اليتيم ولا تفر من الزحف ولا تأكل الربا ولا تدع الصلاة الكتوبة ولا تضيع الزكاة المفروضة وصل رحمك وكن بالمؤمنين رحيما ولا تظلم مسلما وحج واعتمر وجاهد ثم أنا لك زعيم بالجنة
ولما حضر معاذا الموت قال لجاريته ويحك انظري هل أصبحنا فنظرت فقالت لا ثم تركها ساعة ثم قال لها انظري فنظرت فقالت نعم فقال أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار ثم قال مرحبا بالموت مرحبا بزائر جاء على فاقة لا أفلح من ندم اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكنني كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل وطول الساعات في النهار ولظمأ الهواجر في الحر الشديد ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر