كما أن 'الإملاءات الكنسية العقدية' لا تقبل الرفض أو النقض، إذ هي بمنزلة 'حكم إلهي' يعتقد المنظرون الجدد في البيت الأبيض من المحافظين والإنجيليين أن الولايات المتحدة صاحبة رسالة ومكلفة بأدائها, وأنه يشرع للولايات المتحدة استخدام كل الوسائل للوصول إلى غايتها بلا حرمة ولا عذاب ضمير، ولا ينبغي الاعتذار مما تقوم به أو الخجل لأنه الحل والخلاص الذي لا بد منه, كما كان خلاص البشرية بصلب المسيح, فلا بد من خلاص العالم الحر المتمثل بالحضارة الغربية وقيمها الليبرالية بصلب العالم أجمع.
يقول تشارلز كروثامر الكاتب في مجلة التايم: 'ليست أمريكا مجرد مواطن عالمي، إنَّها السلطة المهيمنة في العالم، وأكثر هيمنة من أية قوة أخرى منذ عهد روما، ووفقًا لذلك فإنَّ أمريكا في وضع يؤهِّلها لإعادة تشكيل المعايير وتغيير التوقعات، وخلق حقائق جديدة, أمّا كيف يكون ذلك؟! فيكون - برأيه - عن طريق إظهار إرادة غير اعتذاريه لا سبيل إلى تغييرها'، ولذلك يجب على أمريكا أن تفعل أي شيء لتحقيق مآربها دون أن تعتذر، فالاعتذار بحسب هذا الاعتقاد يشكِّل منقصة لصاحبه، وإخلالًا في شبكة المعايير والمفاهيم التي عليها تتأسَّس استراتيجيات التحكُّم بالأوضاع.
هذه العقيدة للمحافظين الجدد ليست غريبة أو بعيدة عن عقيدة البابا، بل يرى البابا أن عقيدة المحافظين الجدد في البيت الأبيض ليست إلا صدى لتوجهات وأفكار الكنيسة, ويعتقد أنه ينبغي على الأوروبيين تبني هذا التوجه، وإبعاد العلمانيين عن صناعة القرار في السياسة الأوروبية، فلقد ورد في جريدة الأسبوع المصرية بتاريخ 28- 6- 2004 نقلًا عن التليفزيون الألماني: إن أمريكا تقوم بحرب نصرانية تنصيرية، وجعل العراق قاعدة لتنصير العالم الإسلامي, وفي هذا يقول مارك راسيكوت رئيس الحملة الجمهورية بتاريخ 19- 4- 2004: إن بوش يقود حملة صليبية عالمية ضد الإسلام.
لقد روي عن قداسة البابا منذ وصول المحافظين الجدد بخلفيّتهم 'الصهيونية المسيحية' أو ما يوصف بالمسيحية التوراتية إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية أنه يرى في ذلك نموذجًا صالحًا لأوروبا، أي أن تعود الكنيسة إلى صلب توجيه صناعة القرار السياسي، ومن هنا يمكن أن تسهم إساءته إلى الإسلام والمسلمين من المنطلق الكنسي في الحملة الجارية لترسيخ هيمنة مطلقة على المنطقة الإسلامية.
هذه الإساءة البابوية جاءت متناغمة مع إساءات الكثيرين من زعماء الغرب الذين أعلنوا الحرب على الإسلام, فالرئيس الأمريكي جورج بوش اتهم الإسلام بالفاشية, وكان قبل غزو أفغانستان قد نوّه إلى حرب صليبية جديدة، بل إن الحملة التي وجهت لضرب القاعدة في أفغانستان كان جورج بوش قد أطلق عليها اسم 'النسر النبيل' تلك التسمية التي تحمل دلالات ورموز يعرفها الدارسون للعهد القديم.
وسار على منوال بوش رئيس الوزراء الإيطالي برليسكوني حين قال بتفوق الحضارة الغربية على الإسلام, وواكبت بل سبقت هذه الحملة للساسة الغربيين أفكار لكبار المفكرين في الغرب، والمنظرين للسياسة الأمريكية في التعامل مع العالم الإسلامي أمثال برنارد لويس الذي لا يخفي في الكثير من كتاباته الحقد الشديد للإسلام, وهنتنجتون صاحب نظرية صراع الحضارات، وإن كان قد أشيع أنه تراجع عنها؛ إلا أن مقالته تلك ما زالت تمثل المورد الحيوي لكل الكتاب المنحازين إلى فكرة صراع الحضارات.
وتتمة لهذا السيناريو فقد أتت انتقادات البابا للعقيدة الإسلامية بعد خمس سنوات من ورود كلمة 'الحرب الصليبية' للمرة الأولى على لسان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج بوش لتوصيف حربه التي شنها على المسلمين في أكثر من دولة من مجموع 60 دولة 'إرهابية', وقبل مرور نحو شهر على إعلان الرئيس الأمريكي الحرب على ما أسماه الفاشية الإسلامية، وقبل أقل من عام مرور على أزمة الرسوم الدنمركية المسيئة للنبي - صلى الله عليه وسلم -, والتي أشعل أوارها اليهود الذين اتخذوا من نجمة داود شعارًا للصحيفة المسيئة.
لم تقتصر الحرب الاستباقية للبابا على الإسلام بل تتعداه إلى كل ما ليس غربيًا حتى ولو كان مسيحيًا من مذهب آخر, فقد أساء إلى الأقباط الأرثوذكس قبل عدة أشهر كما يقول فهمي هويدي حين قال في تصريح له: إن الإيمان الكاثوليكي وحده هو الإيمان الصحيح، الأمر الذي أغضب الكنيسة الأرثوذكسية في مصر, حتى اعتبر بعضهم كلامه إخراجًا لأتباع الكنيسة من الملة المسيحية وتكفيرًا لهم.
الأسباب الحقيقية وراء الحرب الاستباقية للبابا في وجه العالم الإسلامي:
'دخول تركيا الاتحاد الأوروبي يطمس هوية أوروبا المسيحية' [بابا الفتيكان الحالي] .
لقد كان الإسلام عند المنظرين والساسة الغربيين المرشح الأفضل ليحتل مرتبة العدو الذي تبرر معه كل نظريات الإقصاء والتخريب من 'الحرب الاستباقية' إلى 'الفوضى الخلاقة' إلى نظرية 'التنظيف الأيديولوجي'.
في صحيفة الديلي تلجراف كتبت كارين آرمسترونغ مؤلفة كتاب 'نبذة عن تاريخ الإسلام' مقالًا تقول فيه:"إن ثمة عداءً قويًا للإسلام في الثقافة المسيحية الغربية، ويتعين التخلص منه"، واعتبرت الكاتبة أن 'هذه العقلية التابعة للقرون الوسطى لا تزال حية ترزق... معاداة الإسلام لدينا تعود إلى زمن الحروب الصليبية'، كما رأت آرمسترونغ أن كلام البابا سيجعل المسلمين أكثر قناعة بأن الغرب معادٍ للإسلام، ومصمم على المضي قدمًا في حرب صليبية جديدة.
لقد تعددت الأسباب التي دفعت بابا روما إلى فتح المعركة بوجه الإسلام, حيث إن المهام التي كانت تنتظره عند توليه كرسي البابوية عام 2005م كثيرة وأهمّها كما يقول أحد الباحثين:
1-إنعاش القيم الكنسية في السياسات الرسمية على حساب العلمانية بعد انتشار ظاهرة 'التديّن' الشعبي عالميًا.
2-التعامل مع تبعات حملة الهيمنة الأمريكية وعسكرتها عالميًا، والمقترنة بتصوّرات 'الصهيونية المسيحية'.
3-مركزية موقع الكنيسة الكاثوليكية في روما [وكان من أوائل قراراته إلغاء كلمة 'الرومي' من لقب البابا الكاثوليكي الرومي] ، وبالتالي مركزية دورها على خارطة الطوائف والمذاهب المسيحية، وخارطة الحوار مع 'الآخر'.
4-كيفية التعامل مع الإسلام وخصوصًا بعد انتشاره السريع في أوروبا وأمريكا, حيث يصل عدد المسلمين في أوروبا الغربية وحدها كما تشير الدراسات إلى 70 مليونًا يتوزعون في أكثر الدول الأوروبية أهمية مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا.
أما فيما يتعلق بالإسلام فهناك دراسة نشرت بمجلة 'فورين بوليسي' الدورية العلمية الأمريكية قام بها 'سكوت أبليبي' مدير 'معهد كروك للدراسات حول السلام العالمي' التابع لجامعة نوتردام الأمريكية عام 2004 أي قبل اعتلاء البابا الجديد لمنصبه خلفًا ليوحنا بولس الثاني, أشارت إلى أنه ينبغي عند اختيار البابا الجديد أن يكون على اطلاع عميق حول الإسلام، وقادرًا على التعامل مع تحدي انتشار الإسلام في الغرب.
وتورد صحيفة 'الاندبندنت' البريطانية مقالًا مفاده أن هناك ديانتين كبيرتين فقط تحاولان تحويل العالم إليهما وهما المسيحية والإسلام، ورأى الكاتب أن الإسلام فقط هو الذي يملك في هذه المرحلة الطاقة الحيوية لتكريس نفسه لهذه المهمة، بينما نجد المسيحية منشغلة تمامًا بمجرد الدفاع عن وجودها الروحي القائم.