فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 321

فإنني كمتحدث للعربية، وكشخص عاش في دول عربية؛ يمكنني أن أؤكد أنني لم أُعامَل مطلقًا من قِبل أي مسلم بناءً على جنسيتي، أو السياسات التي تنتهجها دولتي، بل عوملت دومًا باحترام ومودة، بينما أرى كل يوم في أوروبا كيف يُعامل المسلمون بسبب الصورة التي يظنها البعض الذين لا يعلمون شيئًا عن الإسلام، ولم يتعرفوا على أي مسلم من قَبل، عن المسلمين.

وبصدد هذا الجدل أعتقد أن الجميع يُخطأ لدى انتقادهم الآخرين قبل أن ينظروا إلى أنفسهم، فإذا كان البابا يود الإشارة إلى التناقض بين الدين والعنف فالتاريخ 'المسيحي' يقدم ما يكفي من الأمثلة، إلا أن الكثير من المسلمين يسايرون في الوقت ذاته التيار الذي لا يولي اهتمامًا لدور الجانب الاجتماعي والسياسي في تاريخ الإسلام، مكتفين بإبراز الجانب الديني الأمر الذي ينقل رؤية منحرفة للتاريخ، ويزيد من صعوبة انتقاد الذات.

ودون هذا الانتقاد للذات سواء من قِبل البابا أو من قِبل بعض المسلمين فسوف يظل الحوار مستحيلًا ليقتصر الأمر على الوضع المؤسف المتمثل في التراشق بالاتهامات والإهانات.'

وانتقالًا إلى جبهة الدفاع والتبرير لتصريحات بابا الفاتيكان المسيئة نذكر مقالًا لصحيفة 'ليبرتاد ديخيتال' اليمينية بعنوان 'بينيديكت السادس عشر والجهاد' جاء فيه:

'لقد طرح بينيديكت السادس عشر رؤية متعمقة حول الرسالة الدينية، تلك الرؤية التي كان ينبغي أن تحظى بالتهليل من قِبل أي محب للحرية، فانطلاقًا من كلمات مقتبسة من إمبراطور بيزنطي أوضح بينيديكت السادس عشر على نحو سامِ فكرة تحررية بشكل رئيس 'حول العلاقات بين الدين والعنف بوجه عام'، والتي تتمثل ببساطة في التعارض بين الحرب المقدسة، استخدام العنف من أجل نشر الدين، والعقل و'الذات الإلهية'.

وتشكل هذه الآراء التي صرح بها البابا جزءً من جهد ثقافي وأخلاقي جديد من قِبله من أجل دفع 'الحوار بين الأديان'، حيث كان يحاول من خلالها، ومن خلال تصريحات أخرى لم يتم أخذها في الاعتبار؛ تقديم دعوة للقطاعات الإسلامية الأكثر اعتدالًا من أجل التوصل معهم إلى جبهة مشتركة للدين والعقل ضد ما يصفه بشرور العلمانية، فلم يكن رأيه ضد العنف موجه ضد الإسلام، بل كان يهدف إلى إرساء أسس قوية مع أفضل القطاعات الإسلامية، أسس يمكن أن تتلائم مع المجتمعات الحرة والمفتوحة، إلا أن الكثير من أبرز ممثلي الإسلام لم يرحبوا باليد الممتدة من رأس الكنيسة، بل اتخذوا ردود أفعال تشحن ملايين الأشخاص ضده، فقد اعتبروا التعبير عن رأي بمثابة هجوم، كما خلطوا بين الثقافة الغربية وثقافتهم الخاصة في إثارة 'للإرهاب'.

وليس من الصعب أن نتذكر ردود الأفعال التي أثارتها الرسوم الكاريكاتورية لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في العالم الإسلامي، والتي اتسمت بالعنف الذي يأخذ في التكرار الآن، أراد الكثير من الزعماء الإسلاميين حينها تحذير أوروبا من قوتهم، وتشكل هذه فرصة جديدة لتذكيرنا بذلك.

وينضم إلى رد الفعل المنافق والعنيف من قِبل قطاع كبير من الإسلام جزء كبير من أوروبا، الذين لم يدعموا بفخر كلمات بينيديكت السادس عشر'.

وتبنت صحيفة 'آ بي ثي' اليمينية آراءً وتبريرات مماثلة مستخدمة نفس سياسة قلب الحقائق في مقال نشرته بعنوان 'بينيديكت السادس عشر والإسلام'، نذكر منه:

'على ممثلي العالم الإسلامي سواءً كانوا علماء دين أو سياسيين، سواءً كانوا يعيشون في دول أوروبية أم لا؛ أن يقبلوا حرية التعبير والفكر السائدة في المجتمعات الغربية، والتي تحمي كذلك في هذه الحالة بابا الفاتيكان الممثل لكنيسة تفتقر للسلطة السياسية، والذي ينشر مبدأً عالميًا كان على المسلمين اعتباره فرصة للاحترام المتبادل، وليس ذريعة جديدة لإثارة المشاعر العدائية'.

ولم تقتصر ردود الأفعال في إسبانيا على التعليقات الصحافية فحسب بل امتدت إلى المجتمع السياسي والمدني، فللمرة الأولى منذ وقت طويل يتفق الحزب الشعبي اليميني مع الحزب الاشتراكي اليساري - حزب الحكومة -، فقد أعلن رئيس الحكومة الإسباني 'خوسيه لويس ثاباتيرو' الذي يشارك تركيا في تبني اقتراح ما يُدعى 'بتحالف الحضارات' عقب فترة من الصمت في رد فعل غير متوقع عن 'دعمه وتفهمه التام' لموقف بينيديكت السادس عشر، حيث اعتبر أن بابا الفاتيكان لم يكن يقصد إثارة أي جدل أو مواجهة أو انتقاد للدين الإسلامي أو لمعتنقيه، في الوقت الذي دعا فيه العالم الإسلامي لمنح الأولوية 'للتفاهم'.

ورحب الحزب الشعبي بدفاع ثاباتيرو عن بابا الفاتيكان، معتبرًا أن رئيس الحكومة قد اتخذ بذلك 'السبيل الصحيح'، إلا أنه انتقد التصريحات التي أدلى بها مسئولون اشتراكيون آخرون مثل وزير الخارجية الإسباني 'ميجيل أنخيل موراتينوس'، وسكرتير الحزب الاشتراكي 'خوسيه بلانكو' اللذان كانا قد أشارا في بداية الأزمة إلى ضرورة استدراك بابا الفاتيكان لتصريحاته.

في حين أدان مسئول بائتلاف اليسار الموحد الإسباني خطاب بينيديكت السادس عشر، منتقدًا ما أثاره من 'تصادم ومواجهة أكثر منه تفاهم'.

ومن جهة أخرى لم يكتفِ رئيس الوزراء الإسباني السابق اليميني المتشدد 'خوسيه ماريا أثنار' بدعم تصريحات بابا الفاتيكان، وانتقاد موجة الغضب التي أثارتها في العالم الإسلامي فحسب؛ بل اعتبر أنه إذا كان علي البابا أن يقدم اعتذارًا؛ فعلى العالم الإسلامي أيضًا أن يقدم اعتذارًا عن الثمانية قرون التي 'احتل' فيها الأندلس على حد وصفه، في خلط للأوراق، وتشويه للتاريخ، كما دعا نفسه بـ'مؤيد إيزابيل وفرناندو' الملكين الكاثوليكيين اللذين غزوا آخر مملكة إسلامية في إسبانيا عام 1492، مؤكدًا أن الرأي العام الإسباني يعي تمامًا ما وصفه 'بالخطر الإسلامي'.

وعلى الصعيد الاجتماعي أعلن رئيس المجلس الإسلامي بإسبانيا 'منصور إسكوديرو' أن هذا النوع من التصريحات يعد بمثابة تكرار وتأكيد لأسوأ الروايات التي تربط الإسلام بالسيف والعنف، مؤكدًا عدم صحة كل ذلك، حيث أوضح أن الإسلام دين سلام، كما ندد بأن الإدلاء بهذه التصريحات لا يثير سوى 'تصادم الديانات'، مطالبًا الفاتيكان باستدراك علني للخطاب الذي أعلنه بينيديكت السادس عشر.

ومن جهة أخرى اعتبر عالم اللاهوت الإسباني 'خوان خوسيه تامايو' أن تصريحات بابا الفاتيكان 'قد دمرت كل الجسور' الممتدة فيما يُدعى 'بالحوار بين الأديان'.

ولعل إدلاء بابا الفاتيكان بتلك التصريحات في إطار 'الحوار بين الأديان' يعد أكبر دليل على عدم مصداقية تلك المبادرات، وكذب أهدافها المزعومة.

http://www.islammemo.cc:المصدر

6 رمضان 1427هـ الموافق له 28 سبتمبر 2006م

الخبر:

رئيس الوزراء الإسباني السابق خوسيه ماريا أثنار يطالب المسلمين اليوم بالاعتذار الرسمي عن فترة حكمهم لإسبانيا، ويقول: إنهم أرادوا كسر الصليب، والقضاء على المسيحية!

التعليق:

من المضحكات المبكيات التي نشهدها، والتي لم تندرج بعد ضمن عجائب الدنيا؛ أن تقلب الحقائق فيصير الجاني مجنيًا عليه والمجني عليه جانيًا، أن يصير من سفك الدماء صاحب اليد البيضاء، ويصبح مسفوك الدم موصوفًا بكل رذيلة وبلية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت