وقد تجلت أروع صور التسامح في الإسلام عندما دخل الخليفة عمر بن الخطاب مدينة القدس، فقدم كبير أساقفتها مفاتيح الأماكن المقدسة، وحان وقت الظهر وعمر في كنيسة القيامة، فطلب إلى إحدى رجال الدين أن يدله إلى مكان يصلي فيه، فأجابه: هنا ! ولكن عمر رفض قائلًا:"لو فعلت لطالب المسلمون بالقيامة"وخرج إلى الشارع فصلى.
يقول المؤرخ الفرنسي (بيرجودن) معلقًا على هذه الواقعة التاريخية:"إن هذا العمل نبل وشهامةً وتسامحًا واحترامًا للأديان الأخرى، ماذا كان ردنا نحن الغربيين على ذلك، بل ماذا كان ردّ المسيحيين، الأوروبيين.. [لقد] كانت الحروب الصليبية؟".
وعندما انتصر صلاح الدين وهزمهم، لم يكتف بالتسامح مع أماكن العبادة المسيحية، أمّا اليتامى والأرامل من الصليبيين، فإن صلاح الدين لم يكتف بإطلاق سراحهم دون فداء، بل منحهم مساعدات مالية.
والآن يضم دير مارجرجس أو دير الخضر أبو العباس في حمص الذي يعود إنشاؤه إلى القرن السادس الميلادي في زمن الإمبراطور بوستيانيوس نموذجًا للتسامح الإسلامي مع الأديان، وهو مخطوطة الخليفة عمر بن الخطاب التي كتبت بخط معاوية بن أبي سفيان وتتضمن توطيد العلاقة بين المسيحيين والإسلام وحسن المعاملة، وإعفاء الدير من جميع الضرائب، وتنظيم وحماية الممتلكات الدينية. وتعتبر هذه الوثيقة بالإضافة إلى الوثيقة العمرية المحفوظة في كنيسة القيامة بالقدس من أول الوثائق لحرية الأديان وحقوق الإنسان في التاريخ الإنساني. (الثورة، خالد عواد الأحمد، العدد 15617 ـ الثلاثاء 8 أيار 2001م) .
إن علينا أن نطالب البابا أن يعتذر مرتين، الأولى عن جريمة الاستشراق الصليبي (الذي كان حاملًا فكريًا للحروب الصليبية) ومرّة أخرى عن الحروب الصليبية"الممتدة"، وكلاهما إلى اليوم لا يزالان يؤثران في فكر المسلمين وعلاقاتهم السياسية والثقافية مع الغرب المسيحي كله وليس مع المسيحيين المحلييّن.
أخيرًا:
لقد تجنب البابا ذكر الحروب الصليبية، ولم يقدم اعتذاره للكنيسة الأرثوذكسية في سوريا، بعدما قدمه في اليونان، ليتجنب الحديث المباشر عنه، في المسجد الأموي، ويتجنب الحديث عن اعتذاره لليهود وتبرئتهم من دم المسيح وتأخذ القضية منحى سياسيًا، ولهذا لم يكن هناك طلب"رسمي"من شيوخ وعلماء المسلمين بشكل مباشر في الجامع الأموي، بل ربما كان هناك طلب من البابا أو"اشتراط"أن لا تثار هذه القضية أمامه بشكل صريح.
وفضل البابا الحديث عن التسامح والمحبة والسلام ووقف العنف من أي طرف كان، متجنبًا الحديث عن الإرهاب الصهيوني حتى في مدينة القنيطرة التي صلى فيها - كما يقال -"للسلام".
وبالرغم من المكاسب السياسية التي تحققت بزيارته إلاّ أنه لا يمكن القول بأن زيارته كانت ناجحة كما كان يأمل السياسيون السوريون، ولا كما كان يأمل المسلمون.
وكان كثير من الأرثوذكسيين في الشرق يعتقدون أن البابا لديه"ميول"صهيونية، خصوصًا عندما برأ اليهود من دم المسيح، الجريمة التي لا تعدلها جريمة في العقيدة المسيحية، فهل كانت هذه الزيارة لتثب غير ذلك؛ فلم يستطع أن يدين الإسرائيليين بقتلهم الطفلة"إيمان حجو"وهو يصلي للسلام في القنيطرة!.
الاحد:06/05/2001
(الشبكة الإسلامية) علي ياسين
فاجأنا بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني في بداية هذا العام- الذي يعتبر بداية الألفية النصرانية الثالثة - بنشاط غير عادي ، وبمبادرات تاريخية غير مسبوقة . ففي يوم 24 فبراير وطِئت قدماه أرض مصر التي يعيش فيها أكثر من 60 مليون مسلم مع أقلية نصرانية كاثوليكية لا يزيد عددها على ربع مليون . وقد استقبل البابا في زيارته لمصر استقبالًا رسميًا وبحفاوة بالغة ، وأقام قداسًا للكاثوليك وزار دير سانت كاترين .
ثم في يوم 13 مارس قام بتقديم اعتذار وطلب للمغفرة عن خطايا الكنيسة الكاثوليكية تجاه من خالفوها الاعتقاد . وخص بالذكر شعب إسرائيل ، ولم يذكر شيئًا عن ضحايا المسلمين الذين اضطهدتهم كنيسته سواء إبّان الحروب الصليبية أو في الأندلس ، وكأن دماء ثمانية ملايين من المسلمين أمر لا يستحق البكاء من أحد؟!
وبعد ذلك قام في 20 مارس بزيارة إلى الأردن ، واستقبل فيها رسميًا وبحفاوة ، ثم زار أرض فلسطين يوم 22 مارس حيث زار بعض الأماكن التاريخية ذات الصلة ، ولم ينس زيارة متحف فاش ياديم الذي يجسد - حسب الديانة الصهيونية - مأساة اليهود على أيدي النازيين ، حيث يزعم اليهود أن ستة ملايين يهودي قد أحرقوا في أفران الغاز وطبعًا اليهود لا يكذبون .
وأمس 5/5/2001 زار البابا سوريا ، وهي المرة الأولى التي يزور فيها بابا الفاتيكان سوريا ، واستقبل - كالعادة - ببالغ الحفاوة والتكريم ، وتأتي جولة البابا - وهي الـ 93 له خارج الفاتيكان لإكمال مسيرة الحج على خطى القديس بولس من فلسطين إلى مصر والأردن وانتهاء بسوريا التي جاءها القديس شاؤول بهدف اضطهاد المسيحيين فأصبح على يد القديس حنانيا الدمشقي أحد دعاة المسيحية في العالم.
والعجيب في هذه التحركات البابوية: النشاط والتنازلات ولكن الأعجب هو دعوته البريئة إلى المصالحة وتوحيد الأديان وهذا ما يحتاج منا إلى وقفة تأمل لنرى ما وراء دعوة الرجل الطيب .
يقول القس البروتستانتي مارتي الأستاذ المتفرغ بجامعة شيكاغو في مقال له بمجلة نيوزويك الأمريكية نشر في 27 مارس الماضي: إن المصالحة كلمة معروفة في القاموس المسيحي . ويقول إن المهمة التي يضطلع بها البابا ليست هينة ، ولكن يكفيه أنه يسعى إلى تذكير الناس بأنها فكرة لا ينبغي التبّرم بها . ويزعم الكاتب أن المصالحة لها بعدان أحدهما: بين الله والإنسان ، والآخر: بين الإنسان وأخيه الإنسان ، ثم يزعم أن المصالحة بين الله - تعالى ، عزّ وجل - قد حدثت بصلب المسيح عليه السلام حيث لم يأخذ الله الناس بأوزارهم ، وإنما خلصهم منها في شخص المسيح الابن . وهذه الفكرة يؤمن بها أكثر من مليارين من البشر هم أتباع الديانة النصرانية بمذاهبها المختلفة وهي - والكلام للقس مارتي - فكرة مقدسة تقوّي مفهوم الحب بين البشر وقد تبناها مصلحون نصارى كثيرون ، فدعوا للحب ، وقاوموا الكراهية والظلم . فجعل كل منهم من نفسه مسيحًا جديدًا .
ولنا وقفة: إن فكرة المصالحة لا ينبغي أن تبرر الظلم بحيث يحاسب إنسان عن خطايا غيره ، ولا نظن أن العقل السليم المجرد يقبل فكرة الصلب بحيث إن الأب يذبح ابنه ليكفّر عن خطايا الآخرين . فلماذا لا يغفرها ابتداءً لتكون المصالحة كاملة ؟ فإن تعذرت المصالحة بالمغفرة فلا أقل من أن تكون مبنية على العدل . إذ كيف تزر وازرة وزر أخرى ؟