فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 321

وفي باكستان تظاهر المئات من أنصار ائتلاف للأحزاب الإسلامية، وطالبوا بتنحي البابا واتهموه بدعم سياسات إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش تجاه المسلمين.

ونظم مئات من أنصار الائتلاف ذاته مظاهرة مماثلة في كراتشي كما تظاهر محتجون مسلمون في لاهور وكويتا. وجاءت هذه التحركات استجابة لدعوة وجهتها جماعة الدعوة، وهي جمعية خيرية تدير عددا من المدارس والمؤسسات الصحية.

في السياق دعا رئيس وزراء ماليزيا السابق محاضر محمد الفاتيكان إلى عمل المزيد لترميم العلاقات مع المسلمين بعد تصريحات بابا روما.

لقاء بالفاتيكان

مقابل ذلك سعى الفاتيكان اليوم إلى التقارب مع ممثلي العالم الإسلامي على خلفية القضية حيث أعلن عن دعوة سفراء الدول الإسلامية المعتمدين لديه إلى اجتماع يعقد في المقر الصيفي للبابا الاثنين المقبل.

وقال رئيس المجلس البابوي للحوار بين الديانات الكاردينال الفرنسي بول بوبار إن الاجتماع يطمح لأن يكون"إشارة إلى ان دعوة البابا إلى الحوار بين الثقافات والأديان تلقى تجاوبا كبيرا"

الخميس:21/09/2006

(الشبكة الإسلامية)

يتابع مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا ببالغ الأسف والإنكار ما أدلى به البابا بنديكت السادس عشر رأس الكنيسة الكاثوليكية على مستوى العالم من تصريحات مسيئة للإسلام والمسلمين في محاضرته بجامعة ريجنسبرج، وهي تصريحات تنم عن ذهول أو جحود لأبسط الحقائق الإسلامية، الأمر الذي لا يليق برجل في مثل سنه ومكانته اللاهوتية، فهو الذي شارف الثمانين من عمره، وأنفق حياته بأسرها في الدراسات اللاهوتية، وتبوأ منصب الأستاذية بالجامعة، وأسس بها علم الأديان، وتدرج في المناصب اللاهوتية حتى تبوأ منصب البابوية منذ ما يزيد على عام!

ورغم كل مشاعر الغضب والاستياء التي تجتاح العالم الإسلامي عامة وتجتاح مشاعر أعضاء المجمع وخبرائه خاصة بمناسبة هذه التصريحات الفجة إلا أننا سننطلق من أدب الإسلام في مجادلة المخالفين، ونستصحب قوله تعالى في محكم آياته: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} ، وسنتوجه بكلمة هادئة إلى البابا بنديكيت السادس عشر وإلى العالم من ورائه راجين أن يكون فيها إقامة للحجة وتبرئة للذمة!

أولا: حول طلاقة المشيئة الإلهية

يذكر البابا في حديثه"أن (الله) في العقيدة الإسلامية مطلق السمو، ومشيئته ليست مرتبطة بأي شيء من مقولاتنا، ولا حتى بالعقل، ثم عقد مقارنة مع الفكر المسيحي المتشبع بالفلسفة الإغريقية، زاعما أن الفكر المسيحي ينحاز إلى العقل، ويرفض كل ما يتناقض معه، ودلل على ذلك بما جاء في أول فقرة في سفر التكوين، وهي أول فقرة في الكتاب المقدس ككل استخدمها يوحنا في بداية إنجيله قائلا: في البدء كانت الكلمة (يلاحظ أن هذه الكلمة لم ترد في صدر سفر التكوين كما ذكر وإنما ورد فيه"في البدء خلق الله السماوات والأرض""

أما طلاقة المشيئة الإلهية فهي موضع إجماع المسلمين بل هي موضع إجماع الرسالات السماوية جميعا قبل أن تمتد إليها يد البشر بالتحريف والتبديل، ولكن هذا يمثل نصف الحقيقة فقط، أما نصفها الآخر فهو ما أجمع عليه حملة الشريعة أيضا من أن مشيئة الله تعالى مرتبطة بحكمته لا تنفصل عنها، فلا يشاء أمرًا مخالفًا للحكمة ولا مخالفا للحق، فهو لا يخلق شيئًا باطلًا، ولا يشرع شيئًا عبثا، بل هو حكيم فيما خلق، وحكيم فيما شرع، فخبره صدق، وحكمه عدل، {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} ، فهو الحكم العدل، وتكرار ذلك في القرآن مما يدركه القاصي والداني، فلا تتعلق مشيئته بباطل، ولا تتعلق مشيئته بظلم، كيف وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق وأنزل الكتاب بالحق، وحرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين عباده، وهو جل وعلا لا يفعل إلا ما فيه الخير والصلاح لعباده، كما قال صلى الله عليه وسلم في مناجاته لربه:"الخير بيديك، والشر ليس إليك".

ثانيا: حول الثبات والتطور في مدلول كلمات الله

وللمزيد من استجلاء الحقيقة حول مدى استيعاب البابا للتصور الإسلامي نتابع كلمته - في ندوة كنسية حول الإسلام في أيلول/ سبتمبر 2005م - حول قابلية الإسلام للتطور التي اعترض عليها بشدة قائلا"إنّ كلمة الله عند المسلمين كلمة أبدية كما هي، غير قابلة للتلاؤم مع المستجدّات أو التأويل، وهذا فارق أساسي مع المسيحية واليهودية، فكلمة الله عندهم أوكلت إلى البشر، وأوكل إليهم أن تتعدّل لتتلاءم مع المستجدّات".

ولتصحيح هذا التصور المغلوط نقول: إن كلمات الله منها المحكم القطعي ومنها المتشابه الظني ولله في ذلك كله الحكمة البالغة، ولو شاء الله عز وجل أن يجعل كلماته جميعا على نحو لا يحتمل في الفهم إلا معنى واحدًا ما أعجزه ذلك، ولكنه جعل منها القواطع التي تمثل الشرع المحكم الذي تجتمع عليه كلمة المسلمين ويمثل مبنى دينهم، وجعل منها المتشابهات التي تمثل دائرة المرونة والتوسعة في هذه الملة حتى لا تحبس الأمة في اجتهاد واحد أو في تفسير واحد، وبهذا يجمع مدلول كلمة الله بين الثبات والتطور، وبين القطعي والظني، وبين المحكم والمتشابه، ولهذا استوعبت شريعة الإسلام ما لايحصى وما لا يتناهي من الوقائع والأحداث، وبينت أحكام الله بشأنها، وذخرت المكتبة الإسلامية بمئات الألوف من الذخائر الفقهية التي حوت نفائس الاجتهادات ودقائق الاستنباطات، واستوعبت حاجات الإنسان على مدى الزمان وعلى مدى المكان، فلم تضق بجديد ولم تصادر فطرة، ولم تقمع حاجة بشرية حقيقية، ولم تعنت أحدا من البشر، ولا يزال فقهاؤنا يتحدثون عن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، وعن المصلحة ودورها في استنباط الأحكام، وعن الضرورات وفقهها، والحاجات وتنزيلها منزلة الضرورات في إباحة المحظورات في منظومة تشريعية بديعة محكمة ومنضبطة أذهلت العالم كله شرقا وغربا مما لا أظنه يخفى عن رجل في مثل سن البابا وعلمه.

ولا تزال المجامع الفقهية المعاصرة تنظر نوازل الأمة ومستجدات حياتها، وتستنبط أحكامها وتقدم الصيغ والبدائل للمعاملات المحرمة في إطار يجمع بين المحافظة على الأصل واستيعاب العصر، فلم تحل حراما مجمعا عليه، ولم تحرم حلالا مجمعا عليه، ولم تبدل شرعا مجمعا عليه، ولم تقدم بين يدي الله ورسوله، فبقي الدين محفوظا من الخلل، وبقيت الأمة ممنوعة من الزلل.

أما ما فعله أحبار اليهود والنصارى بشرائعهم فالبابا أخبر به! لقد استحفظوا كتاب الله تنزيلا وتأويلا، فما حافظوا على تنزيل ولا على تأويل، لقد دخل التحريف على التنزيل بما يقر به علماء النصرانية أنفسهم وبما يغني عن الاستشهاد عليه من خارجهم، أما تحريفات التأويل فحسبك أنهم يحلون الحرام ويحرمون الحلال، وما خبر تقنين الشذوذ والسحاق وزواج المثل وإباحة الربا وقد نهوا عنه ببعيد، وهو الأمر الذي يستنكره البابا لما عرف من تصلبه، ولكن كنائس عديدة ومرجعيات نصرانية معتبرة في شرق العالم وغربه أقرته تحت سمع العالم وبصره، وهو الذي أشار إليه القرآن بحق في قول الله جل وعلا {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} .. وقد كانت الربوبية فيهم أنهم يحلون الحرام ويحرمون الحلال فيتابعونهم على ذلك.

ثالثا: حول العلاقة بين الإسلام والعقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت