فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 321

إذا كانت أول فقرة استخدمها يوحنا في بداية إنجيله كما يقول البابا: في البدء كانت الكلمة. فإن أول كلمة تنزلت في القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم هي قول الله جل وعلا {اقرأ باسم ربك الذي خلق } فهي دعوة إلى القراءة ودعوة إلى العلم، ولا يعرف كتاب احتفى بالنظر ودعا إلى التدبر وقدر العقل وأعلى من شأنه كالقرآن الكريم، وآياته التي يقرؤها المسلمون في المشارق والمغارب شاهدة بذلك، فقد أشاد هذا الكتاب الكريم بالعقل، وجعله مناط التكليف، وأصبح من القواعد الثابتة في شرعنا أن من لا عقل له، لا تكليف عليه، وقد أمر الله الناس أن يعملوا عقولهم، وأن يتفكروافي ملكوت السماوات والأرض، حتى يخلص الإنسان من خلال ذلك إلى الحق الذي بعث الله به أنبياءه ورسله، قال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } (سبأ:46) ، وعير سبحانه الكفار بتركهم تعقل وتفهم وحيه، فشبههم بالبهائم، فقال سبحانه: { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ } (البقرة:171) ، وقال أيضًا: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} ( الأنفال:22) ، والآيات في هذا الباب كثيرة، وهي لا تزال كتابا مفتوحا على العالم أجمع، فالعقل أساس النقل، وبالعقل ثبت النقل والوحي والنبوة، وإن من الأبجديات والبدهيات في دين الإسلام أن العلم يسبق الإيمان، وأن الإيمان ثمرة له، كما في قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 54] فجعل العلم سابقا والإيمان ثمرة له، ولايعرف في الإسلام تعارض بين عقل صحيح ونص صريح، وهو تحد معروض على العالم كله، فليأتونا بمثال واحد يهدم هذه الحقيقة، ولعلماء المسلمين في درء التعارض بين العقل والنقل مراجع ومطولات، ولهم في ذلك من القوانين والقواعد الكلية ما لا يزال مفخرة للفكر البشري كله.

ومن العجيب أن يرمي رأس الكنيسة الإسلام بهذه الفرية ولا يعرف دين حفل بالعجائب والخرافات كالنصرانية المحرفة التي يتبوأ البابا عرش بابويتها والتي تقول تعاليمها: آمن ثم اعلم!

اعتقد وأنت أعمى! أغمض عينيك ثم اتبعني! والتي يقول أحد فلاسفتها الدينيين (أوغستين) : أومن بهذا لأنه محال، أو غير معقول! ويقول أحد قساوستها من المعاصرين وهو القس وهيب الله عطا:"إن التجسيد قضية فيها تناقض مع العقل والمنطق والحس والمادة والمصطلحات الفلسفية، لكننا نصدق ونؤمن أن هذا ممكن حتى ولو لم يكن معقولًا" (عن كتاب مقارنة الأديان لشلبي 2/124 ) .

هل يستطيع البابا أن يمنطق لنفسه أو للعالم عقائد النصرانية من الصلب والفداء والتثليث والتجسيد والعشاء الرباني وسائر ما حفلت به عقائد القوم من العجائب والغرائب والأباطيل؟!!

رابعا:حول مفهوم الجهاد في الإسلام

يدندن البابا حول مغالطة كبرى معادة ومكرورة، يزعم من تولى كبرها أن الإسلام قد انتشر بالسيف، أي أن حروبه كانت لقهر الناس على الإيمان، ثم يصول البابا ويجول في بيان أن هذا مجاف للمنطق ولطبائع الأشياء، بل مجاف لطبيعة الرب ذاته التي لا تحب الدماء والتي تجعل من الكلمة والإقناع الطريق الوحيد إلى الإيمان.

والحقيقة التي لا مراء فيها أن الجهاد في الإسلام إنما شرع لدرء الحرابة وكف العدوان، وليس للإكراه على الدين سواء أكانت هذه الحرابة واقعة بالفعل، وهو ما يسمى بجهاد الدفع، أو متوقعة ولاحت نذرها بدلائل قطعية وبينات يقينية وهذا هو جهاد الطلب، وحسبنا هذه الآية القطعية المحكمة من كتاب الله عز وجل {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة:256] . ولم تخرج حروبه كلها صلى الله عليه وسلم عن ذلك لمن تدبر السيرة وأمعن النظر في حروبه وغزواته صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أن هذه الأمة أمة هداية، وليست أمة بغي وحرابة، وحيثما أمكن استحياء النفوس بالإيمان أو بالأمان فلا ينبغي العدول عن ذلك فإن الله تعالى لم يبح من قتل النفوس إلا ما لا بد منه لصلاح الخلق، دفعا للعدوان ودحرا للمعتدين، ولعل الله أن يخرج من أصلابها من يعبد الله تعالى ويوحده، وقد قال تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } .

وكل ما ذكره البابا من مجافاة القهر على الإيمان للمنطق ولحكمة الرب جل وعلا فهو وإن كان صحيحا في مجمله ولكنه لا علاقة له بالإسلام الذي يسوق البابا هذا الكلام للإرجاف حوله والتشنيع عليه.

وإذا كان البابا ينطلق في حديثه من بعض حوادث العنف التي تقع في مناطق متفرقة من العالم، فلا أحسب أنه يخفى على مثله أن العنف ظاهرة عالمية لم تكد تنفك عنها أمة من الأمم ولا ملة من الملل، وأن ما يقع من مظاهر العنف في بعض مناطق العالم الإسلامي أو من بعض من ينتسبون إليه فإن منه ما هو مشروع لا ينكره على أصحابه إلا ظالم لنفسه، وهو ما يندرج تحت أعمال المقاومة المشروعة التي اتفقت على مشروعيتها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، كهذا الذي يجري على أرض فلسطين والعراق ولبنان وغيرها من المناطق المحتلة في عالمنا الإسلامي لدفع ما وقع عليها من الظلم والعدوان، والذي لو وقع مثله على دولة الفاتيكان ما وسع البابا إلا أن يعلن بنفسه النفير، وأن ينضم إلى قوافل المقاومة، وأن يجيش قومه قاصيهم ودانيهم لدفع العدوان ودحر المعتدين! ومنه ما هو غير مشروع كهذا الذي جرى في الولايات المتحدة ولندن وغيرها وهو الأمر الذي يدينه المسلمون قاطبة، ويعتقدونه خروجا صارخا على أبسط قواعد المشروعية الإسلامية، وهذا النوع من العنف إن كان سببه ما يقع على أمة الإسلام من مظالم واعتداءات تحت سمع العالم وبصره، ولكن هذا لا يسوغ مثل هذه الأعمال ولا يضفي عليها مشروعية بحال من الأحوال.

ومن ناحية أخرى فهل نسي البابا ما ارتبط بالمسيحية من عنف على مدار التاريخ قديمًا وحديثًا سواء في صراعاتها الداخلية أم في صراعها مع العالم الإسلامي بدءا من الحروب الصليبية وانتهاء بالحملات الاستعمارية في العصر الحديث؟!

يقول"هانز كونج"عالم اللاهوت السويسري، المحاضر السابق بالجامعات الألمانية، ومؤسس"مشروع الأخلاق الكونية"، في معرض انتقاده لباباالفاتيكان: إنه"وضع العنف والإسلام في سلة واحدة، وأغفل ما ارتبط بالمسيحية على مدار التاريخ من عنف".

واستطرد كونج:"المسلمون لا يتذكرون فقط الحملات الصليبية؛ بل يذكرون أيضا الاستعمار الأوربي بالقرن الـ 19 الذي امتد من المحيط الأطلنطي حتى ماليزيا".

الجديد الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم

ويبلغ التطاول والعدوان ذروته عندما يسوق البابا في حديثه قول الامبراطورالبيزنطي في حديثه المزعوم للمسلم الفارسي: أرني شيئا جديدا أتى به محمد، فلن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني، مثل أمره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت