ولا يخفى أن البابا"يوحنا بولس الثاني"قاد في العقدين الماضيين حملة ساعدت في تحويل الصراع إلى تعاون بين 1.1 مليار كاثوليكي و1.2 مليار مسلم، وربما ساعدت مواقفه المعلنة في إدانة حرب العراق وأفغانستان في تجنب"صدام حضارات"خشي كثيرون أن يتفجر بعد تلويح الرئيس"بوش"بحملة صليبية، واندلاع حرب دينية حقيقية ضد المسلمين في العالم الغربي.
أيضا كانت خطوة البابا"بولس الثاني"عام 1986 بدعوة المسلمين وأتباع الديانات الأخرى للصلاة معًا كي يحل السلام في العالم تحركًا لافتًا في سعيه لخلق مناطق للتفاهم مع العالم الإسلامي، ثم جاءت زياراته -لأول مرة في تاريخ البابوية- لمسجد وهو المسجد الأموي الذي زاره بدمشق في مايو 2001، وقال وهو على بعد خطوات من قبر القائد صلاح الدين الأيوبي الذي هزم وطرد الصليبيين من الشرق:"نحن بحاجة إلى أن نسعى لعفو من العلي القدير، وأن نقدم الصفح المتبادل عن كل العصور التي آذى فيها المسلمون والمسيحيون بعضهم البعض".
ويبقى السؤال: كيف سيتعامل البابا الجديد مع العالم الإسلامي؟ هل يتعاون أم يتحارب معه؟ هل يتبنى خطا متشددا يواكب الحملة الصليبية السياسية التي تقودها أمريكا وأوربا حاليا؟.. وهل ينعكس تصاعد العداء من جانب الأحزاب اليمينية الإيطالية المناهضة للإسلام على مواقفه؟.
وهل يعتذر نيابةً عن الفاتيكان والعالم المسيحي للعالم العربي والإسلامي عن فترة الحروب الصليبية، خاصةً في ظل ما جرى من اعتذار مماثل لليهود بحيث يضمن توافر أرضية لحوار ديني قوي بين المسيحية والإسلام يواجهان به موجة الإلحاد الجديدة في العالم، أم تتغلب روح التنافس مع الإسلام على روح التعاون؟.
وكيف سيكون تعامل الكنيسة الكاثوليكية مع الوضع في القدس المحتلة، خاصة أن الفاتيكان عقد في فبراير 2000 اتفاقا مع السلطة الفلسطينية يعترف لها بحقها في المدينة كسلطة تنفيذية، وبحقها في الحفاظ على التراث الروحي في المدينة؟ هل سيواصل البابا الجديد قيادة الفاتيكان نحو رفض ضم المدينة للدولة العبرية، أم أن صك البراءة الذي أعطاه الفاتيكان لليهود عام 1964 من"دم المسيح"سيؤثر على موقفه من هذه القضية؟.
إميل أمين **
البابا الراحل يتحدث مع أحد الناجيات من الهولوكوست خلال زيارته للنصل التذكاري لضحايا الهولوكوست في القدس المحتلة عام 2000
في أعقاب هجمات سبتمبر 2001، كان العالم قد تحول إلى معسكرين إسلامي ومسيحي أو هكذا على الأقل أريد له أن يصبح من قبل السادة الجدد للعالم الذين أرادوا إذكاء نيران بين العالمين المسيحي والإسلامي، واستمع العالم لأول مرة منذ القرن الثالث عشر إلى كلمة الصليبية من جديد على لسان الرئيس جورج بوش الابن.
وفي تلك الأوقات العصيبة، كان البابا يوحنا بولس الثاني يطلب إلى العالم المسيحي أن يصوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المعظم طلبا لرحمة وعدالة السماء على الأرض، وفي رسالة محبة واضحة منه إلى العالمين العربي والإسلامي تدل على أن الصراع أبعد ما يكون عما يدعيه الأمريكيون، وأن هناك من التوافقات مع العالم الإسلامي الكثير الذي يمكن أن يكون مجال عمل وأمل مشتركين.
واستعراض مسيرة البابا عبر ولايته التي امتدت نحو ست وعشرين سنة يثبت لنا أنها قد حفلت بالكثير من لحظات الوفاق والحوار مع العالم الإسلامي، وفي نفس الوقت ظلت هناك ملفات خلافية لم تحسم بعد رحيله وينظر إليها على أنها حقوق أدبية للعالم العربي والإسلامي وقد كان على رأسها الملف الخلافي التالي:
لماذا الاعتذار لليهود وليس للمسلمين؟
ربما كان من الواجب قبل الإجابة عن هذا التساؤل أن نتوقف لبرهة قصيرة عند قضية فرعية أخرى تتعلق بما أورده عدد كبير من وسائل الإعلام العربية كحقيقة تقول: إن البابا يوحنا بولس الثاني هو الذي برأ اليهود من دم السيد المسيح، والحقيقة أن ذلك غير صحيح بالمرة.
الأصل في الموضوع أن الحديث عن تبرئة اليهود جاءت الإشارة إليه في الوثيقة الصادرة عن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني عام 1964، (ليس في عهد البابا الراحل) وتقول ما نصه:"ولئن كان ذوو السلطة والأتباع من اليهود عملوا على قتل المسيح إلا أن ما اقترف إبان الآلام والصلب لا يمكن أن ننسبه في غير تمييز إلى جميع اليهود الذين عاشوا آنذاك ولا إلى اليهود المعاصرين لنا".
والمعنى الواضح الصريح هنا أن الوثيقة الفاتيكانية لم تبرئ اليهود ذوي السلطان وأتباعهم من الرومان من المسئولية عن قتل السيد المسيح، لكنها ترفض أن تنسحب جريمة القتل على كل اليهود الذين عاشوا آنذاك، ومنهم الكثيرون الذين آمنوا بالمسيحية، إضافة إلى القول بأنه لا ذنب ولا جريرة ليهود اليوم فيما ارتكبه أسلافهم.
إذن البابا الراحل لا علاقة له بقضية التبرئة، لكن حدث الربط بينها وبينه بسبب الاعتذار الذي قدمته في عهده هذه المرة الكنيسة الكاثوليكية لليهود في وثيقة أخرى بعنوان"ذكرى ومصالحة"صدرت عام 2000.
والاعتذار لليهود كان عن المعاناة والألم، وكان إقرارا بما شهدته أوربا من موجات عنصرية ضدهم في الوقت الذي كانوا يتمتعون فيه في البلاد العربية والإسلامية بكامل حقوقهم. ففي عام 1581 أصدر البابا غريغوريوس الثالث عشر حكما بإدانة اليهود يقول ما نصه:"إن خطيئة الشعب الذي رفض المسيح وعذبه تزداد جيلا بعد جيل، وتحكم على كل فرد من أفراده بالعبودية الدائمة"، وقد سار على هذه السياسة الباباوات من بعده.
وهنا يصبح من الطبيعي أن يتساءل العالم الإسلامي لماذا لم يوجه البابا وثيقة رسمية للمسلمين يعتذر فيها عما حدث من أخطاء وما ارتكب من جرائم من قبل الحملات العسكرية الغربية التي لعب البابا أوربان الثاني -ولا شك- دورا فاعلا ومؤثرا فيها؟.
والواقع أن الإجابة تتفرق في عدة آراء، إذ يرى البعض أن البابا اعتذر ضمنيا في الكثير من الأحاديث عن الحروب الصليبية في كلماته وخطاباته للعالم العربي ومن بينها ما أشار إليه ضمنا في كلمته بالمسجد الأموي في دمشق.
كما أن هناك أيضا آراء ترى أن الكنيسة الكاثوليكية قد اعتذرت في ذات توقيت تلك الحملات من خلال مطالبة القديس فرنسيس الأسيزي مؤسس الرهبنة الفرنسيسكانية من سلطان مصر الملك الكامل في خضم الحروب الصليبية الصفح عما بدر من العسكر داعيا إلى صليبية المحبة والتسامح لا الحرب والقتال، كما يقول المؤرخ والعلامة القديس بونافنتورا.
وهناك أيضا بعض الآراء المسيحية الأخرى التي ترى أن المسلمين في ذلك الوقت هم الذين تسببوا بإطلاق الحروب الصليبية من خلال شروط إقامة المسيحيين في العالم الإسلامي التي اعتبرتها الكنيسة الكاثوليكية مجحفة بحقهم إضافة إلى تهديد قوافل التجارة بين الشرق والغرب؛ مما هدد الحياة الاقتصادية في أوربا.
والمؤكد أن القضية على هذا الأساس تظل مفتوحة، لكن الجديد الذي نميط عنه اللثام هو أن اللجنة المشتركة بين المجلس البابوي للحوار بين الأديان التابع للفاتيكان واللجنة الدائمة للأزهر الشريف في اجتماعها الدوري السنوي في مقر لجنة الحوار في الأزهر في الرابع والعشرين من فبراير المنصرم من هذا العام، توصلت إلى صيغة جديدة باركها البابا الراحل لتداول هذا الأمر، أي أمر الاعتذار للعالم الإسلامي.