وقد جاء في البيان المشترك الصادر في نهاية أعمال اللجنة المشتركة"أنه وصولا إلى تفاهم أعمق بين أتباع الديانتين المسيحية والإسلامية فإنه قد تم الاتفاق على أهمية دراسة صراعات حدثت في الماضي بين المسيحيين والمسلمين وبخاصة حروب الفرنجة وذلك من قبل خبراء متخصصين في التاريخ من كلا الجانبين"، وهو الأمر الذي أشارت إليه العديد من وسائل الإعلام العربية والأجنبية على أنه جاء بناء على طلب مباشر من الأزهر أعلى سلطة روحية إسلامية إلى الفاتيكان لتقديم اعتذار مباشر عما حدث في تلك الحقبة.
وبرحيل البابا يوحنا بولس الثاني يصبح هذا الملف الشائك من التركة التي على خليفته أن يتعامل معها ويبقى العالم العربي والإسلامي يقارن بين حاله وحال اليهود الذين تم الاعتذار لهم مباشرة، وإذا كان البابا يوحنا بولس لثاني قد قام بتحطيم الحواجز النفسية بين العالمين الإسلامي والمسيحي من خلال زياراته له عام 2000 فهل سيقدر للعالم الإسلامي أن يجد ضالته المنشودة لدى البابا الجديد؟
اتفاق بعد افتراق
علم فلسطين يظلل البابا يوحنا بولس الثاني خلال إحيائه قداسا في بيت لحم في مارس 2000
وفي معرض حديثنا عن علاقة البابا الراحل مع العالمين العربي والإسلامي نجد هناك نقاط التقاء كثيرة فقد كان البابا الراحل في نظر الكثيرين من العالم الإسلامي وعن حق داعية سلام فتح ذراعيه والفاتيكان من خلفه للحوار بين الأمم والشعوب؛ ومن ثم بين الأديان ولا ينسى التاريخ الحديث أن يسجل للبابا يوحنا بولس أنه الأول بين باباوات الكنيسة الرومانية الذي يأتي شيئا غير مسبوق بزيارته للجامع الأموي في دمشق؛ ليصبح بذلك أول زعيم روحي للكاثوليك في العالم يخلع نعليه قبل أن يهم بالدخول إلى مسجد.
كان مشهد البابا وهو مجتاز لساحة الجامع الأموي مناقضا تماما لكل الصور السابقة التي تحدثت عنها كتب التاريخ عن فترة المواجهات الدينية بين الشرق والغرب. دخل البابا مستندا على عصاه إلى قاعة الجامع، حيث استمع إلى شرح حول تاريخ بناء الجامع الذي شيد عام 705 ميلادية على أنقاض كنيسة القديس يوحنا المعمدان الموجود داخل الجامع والذي يبجله المسلمون باعتباره قبر النبي يحيى.
جبهة واحدة
ولعل من العوامل المشتركة التي جعلت للبابا يوحنا بولس الثاني حضورا واحتراما شديدين لدى العالم العربي والإسلامي هو تمسكه بمواقف معينة وجدت ترحيبا واتفاقا معها من المنطلق الديني الإسلامي.
فقد وقف البابا في وجه الإثم والخطيئة متحدا مع الأزهر الشريف عام 1994 في أثناء مؤتمر السكان الدولي بالقاهرة الذي أراد توسيع المساحة المتاحة للحرية الجنسية الشائنة من إباحية وزواج مثلي وإباحة الإجهاض وفي هذه كان البابا نصيرا للعالم الإسلامي.
وإذا كان البابا يوحنا بولس الثاني قد رفض الاشتراكية؛ لأنها تقهر الإنسان فكذلك جاءت إدانته للنزعة الرأسمالية التي تستعبد الإنسان واصفا الروح الغربية بروح الاستهلاك والمتعة، فراح يذكر بالتضامن والاعتدال في استخدام الثروات المادية، وقد فعل ذلك في إطار عقائدي وأخلاقي صارم، وفي هذا الأمر كان يتفق مع مواقف الملايين في الأوطان العربية والإسلامية.
وفي إطار الحديث عما يجمع ويفرق في سيرة البابا الراحل يأتي الحديث عن الإرهاب وكيفية التمييز بينه وبين العمليات الاستشهادية.
تبرئة الإسلام من تهمة الإرهاب
والمعروف أن بعض آراء البابا لم تتفق مع العمليات الاستشهادية، لكنها في الوقت ذاته كانت تتساءل عما وراءها، ويتضح ذلك من خلال القراءة في الوثيقة التي صدرت مؤخرا عن الفاتيكان تحت إشراف البابا والتي عرفت باسم"عقيدة الكنيسة الاجتماعية"والتي أفردت فصلا كاملا تحت عنوان"الإرهاب باسم الله".
تقول الوثيقة: إن"الإرهاب باسم الله تدنيس وتجديف على اسمه القدوس فالإرهاب يجعل من الله وسيلة على غرار الإنسان لتحقيق أهدافه الآثمة"، ويدين المستند الإرهاب بشدة؛ لأنه"يزدري الحياة البشرية ولا مبرر له لكون الإنسان هدفا وليس وسيلة؛ لذا من حق الإنسان أن يدافع عن نفسه من جميع أشكال الإرهاب، ولكن ليس بطريقة عشوائية وفارغة".
ولكن كيف يمكن للإنسان أن يدافع عن نفسه بطريقة منظمة؟ هذا هو التساؤل الذي لم تجب عنه الوثيقة، لكنها في أي الأحوال تقودنا إلى نقطة التقاء شديدة الأهمية لدى العالمين العربي والإسلامي وهي نقطة يحدث عندها تصادم بين الرؤى الفاتيكانية والتوجهات الأمريكية إذ تكمل الوثيقة"أن الصراع ضد الإرهابيين يقوم على احترام حقوق الإنسان ومبادئ دولة القانون؛ ومن هنا واجب تحديد المسئولية بدقة لأن التهمة الجنائية شخصية وفردية ولا يمكن رميها على الديانات والأمم والقوميات التي ينتمي إليها الإرهابيون".
وفي هذا المنطوق دفاع بيِّن وواضح يشير إلى ما انسحب على العالم الإسلامي وبصورة خاصة على الدين الإسلامي من جراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إذ صارت تهمة الإرهاب لصيقة ووثيقة بكل ما هو ومن هو إسلامي من أقصى الأرض إلى أدناها ومن الشمال إلى الجنوب.
كانت هذه في الواقع آخر الوثائق التي تصدر عن الفاتيكان في حياة البابا الراحل والتي وإن لم تقر بالعمليات الاستشهادية فإنها حملت جانبا آخر مضيئا تجاه العالم الإسلامي.
فلسطين والعراق في فكر البابا
ومما لا شك فيه أن البابا يوحنا بولس كانت له مواقف تقدمية جهة العديد من القضايا المصيرية كالقضية الفلسطينية وأزمات العراق المتتالية.
فعن القضية الفلسطينية يذكر للرجل أنه أول من استقبل الراحل ياسر عرفات رئيس حركة فتح عام 1981، وقد كانت يومها مقابلته جريمة، ولم يُلقِ بالا للضغوطات والهجومات اليهودية عليه ثم كان أن أقام الفاتيكان علاقات دبلوماسية مع السلطة الوطنية الفلسطينية ناهيك عن الدعم المادي للاجئين الفلسطينيين، أما المساعدة المعنوية فحدث عنها ولا حرج فكثيرا ما كان الفاتيكان منبرا للدفاع عن الحقوق الفلسطينية وصوتا صارخا ضد الظلم والبطش الإسرائيليين.
ففي مخيم الدهيشة كان البابا حاضرا لدى زيارته الأراضي الفلسطينية شاهدا على معاناة الشعب الفلسطيني؛ لذا فقد جاء انتقاده لاذعا ومريرا لإسرائيل غداة بنائها الجدار العازل في الضفة الغربية، ومؤكدا على أن هذا الجدار يعتبره الكثيرون عقبة أمام السلام، ومضيفا أن"الأرض المقدسة في فلسطين لا تحتاج إلى جدران وإنما إلى جسور".
ولما كان الرجل رجل سلام فقد كانت دعوته على الدوام هي إنهاء للهجمات والعمليات الثأرية وهي إشارة مخففة للعمليات الاستشهادية من منطلق أنها ثأرية لما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قمع من الآلة العسكرية الإسرائيلية وداعيا إلى المصالحة.
أما عن الملف العراقي فيذكر التاريخ أن البابا يوحنا بولس الثاني قد وقف في وجه الولايات المتحدة في حرب الخليج الأولى"عاصفة الصحراء"، والكل يعلم كيف حاول أيضا أن يوقف الغزو الأمريكي على العراق، وقد أرسل الكاردينال"أتشيجاراي"إلى العراق وإلى واشنطن لمحاولة إثناء الإدارة الأمريكية عن عزمها، وبعد احتلال العراق، لم يتوقف عن مطالبة القوات الأمريكية بالرحيل وترك إدارة العراق للعراقيين أنفسهم.
وإذا كان من رابط يقوي أواصر الصلة بين البابا الراحل والعالم الإسلامي فإنني أحسب أن كراهية أتباع الديانات السماوية للإلحاد والشيوعية قد جمع بينهما سنواتٍ طوالا، ولا ينكر أحد على البابا الدور الذي قام به في هدم المعسكر الشيوعي.