تلك التصريحات التي أدلى بها البابا أدلجت بصورة تكاد تكون نهائية الصراع ما بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي.. ونصبت من بابا الفاتيكان قائدا منظرا ومشرعا للحروب الصليبية التي تشنها الولايات المتحدة و' وتحالف الراغبين الدائمين'.
فصدورها من أعلى سلطة كنسية كاثوليكية واستشهاده بمقولات وحوارات تاريخية لا يدع مجالا لتأويلات خادعة من طبيعة تلك المخادعات التي روجت لتبرير تصريحات بوش، من كونها زلة لسان سياسي.. أو تلك المتعلقة بالإساءة التي صدرت من عدة صحف أوروبية قبل أشهر وانتهكت حرمة النبي الكريم محمد صلي الله عليه وسلم، وهو ما عرف في حينه بقضية الرسوم المسيئة، بدعوي حرية الرأي والتعبير.
الأخطر في تلك التصريحات إذن ليس مضمونها الفارغ، وكشفها لحقد دفين وجهل فاضح عند القيادات الكنسية، ولكن في كونها أعطت مبررا كنسيا لتلك الحروب التي يشنها الغرب ضد العالم الإسلامي، إذ أن القضاء على 'الشر' الذي جاء به نبي الإسلام ـ كما تفوه بينيدكت ـ سيكون حتميا كي يعيش الغرب المسيحي في أمن وسلام من هذا الدين الذي امتطى سطوة السيف ليروض به الناس ويرغمهم على اعتناقه!!
الحادث إذن أننا أمام راع بقر أمريكي مصاب بلوثة الصهيومسيحية، دفعته دفعا لشن حروبه تحت مزاعم ومبررات شتى ضد العالم الإسلامي، ويقف من أمامه متعصب لا يرى في الإسلام إلا عنفا وشرا يقدم له المبررات الكنسية التي تسعر من لهيب الحرب وتشعل اتونها دوما وبلا انقطاع.
ماذا بعد تصريحات بابا الفاتيكان؟
في رأينا أن تلك التصريحات المقيتة الصادرة من بابا الفاتيكان يمكن أن تخلف ثلاثة آثار، ستلقى بظلال أكثر ضبابية على العلاقة بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي:
أولا: انتهاء ما يسمى بالحوار بين الأديان والحضارات
فحتى وقت قريب كان لأصحاب نظرية الحوار بين الحضارات وإمكانية التلاقي ما بين الأديان راية مرفوعة وحديث مسموع في بعض المجالس والمنتديات، لكن غالب الظن أن تصريحات بينيدكت ستقطع على هؤلاء الطريق وستقضى على تلك الدعاوى بالضربة القاضية لكونها صادرة من أعلى سلطة كنسية، وهي غير مبررة ولا يمكن ليّ مضمونها وما جاء فيها أو الاعتذار عنها بشيء من قبيل ما يعتذر به للسياسيين من قلة وعي واطلاع، أو الحرص على إرضاء شريحة يستميل أصواتها لعملية انتخابية، أو ما إلي ذلك.
وقد بدأت بالفعل إرهاصات هذه القطيعة، حيث طالب د. نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق، 'أن تكون معاملتهم [الغرب] لنا بالمثل من حيث الحوار والتفاهم السلمي، فإن لم يفعلوا وأخذوا في إصدار التصريحات المستفزة ضد ديننا ورسولنا فيجب أن نتخذ مواقف حازمة، خاصة أن التصريحات هنا صادرة عن رأس الديانة المسيحية الكاثوليكية في العالم ما يعد تمهيدا لحرب صليبية جديدة يشارك فيه رجال الدين وليس القادة السياسيون فقط مثل الرئيس بوش الذي أعلن أكثر من مرة بأنه يقود حربا صليبية ضدنا ونحن لا نصدق أنها زلة لسان وإنما هي تعبير عما في قلبه'.
كما دعا د. محمد المسير، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، إلى إلغاء لجان حوار الأديان بين الأزهر والفاتيكان، مؤكدا أن هذا لا يعني مقاطعة البشرية وإنما 'علينا أن نحترم ونتحاور مع من يحترمنا ويريد الحوار الجاد المتكافئ معنا وليس المتاجرة بحوار الأديان وطعننا في ديننا وإهانة مقدساتنا ورسولنا'.
ثانيا: تزايد الهوة والقطيعة مع الجاليات المسلمة
فالجاليات المسلمة في الغرب لا يمكن أن تنبت عن دينها، وتقف مكتوفة الأيدي وهي ترى ذلك التعصب وهذا الحقد على دينها ومعتقداتها الراسخة، ومن ثم فإن قطيعة بل صراعات عنيفة قد تأخذ مداها في الدول الغربية على نحو ما رأينا في فرنسا منذ أشهر عدة إذا لم تجد تلك الجاليات من يحفظ لها هيبة دينها واحترام مقدساتها.
وما يمكن أن يغذي هذا المنحى من القطيعة والنفور أن الدول الغربية على اختلافها تشكل لها الجالية المسلمة هاجسا ديموغرافيا مقلقا القي بظلاله على عمليات عنف عنصرية طالت الجالية المسلمة في أكثر من دولة.
فقد ظلت أوروبا تعول طيلة عقود من الزمن على قوة جاذبيتها وقدرتها على صهر الوافدين الجدد في بوتقتها البراقة الخادعة، ولكن تجلت خيبة آمالها، حينما اكتشفت أن جهودها وتصوراتها ذهبت هباء منثورا، بعد ما اتضح لها أن المحرك الأساس لهؤلاء الوافدين هو هويتهم الدينية وثقافتهم المرجعية وليست الثقافة الوافدة التي حاولت أن تصبغهم وتطليهم بها.
وقد أشار 'أوليفيي روي' في كتابه 'الإسلام المعولم' إلي تلك الظاهرة بقوله: 'من بين 379 مليون نسمة يعيشون في أوروبا، هناك اثني عشر مليونا قادمون من دول ذات ثقافة إسلامية [... ] ، ولقد ظنت الدول الأوروبية طيلة عقود أن نماذج كل واحدة منها سوف تسمح لهذه الجاليات الجديدة أن تجد داخلها مكانا مراهِنة في ذلك على القوة الإدماجية لبعض الأقطار التي تنعم بالرفاهية وبنظام حياة جاذب؛ وذلك عن طريق السوق والمبادرة الفردية، أما اليوم فإن أغلب الدول الأوروبية أصبحت تعيد النظر في هذه النظرة التفاؤلية'.
وفي معرض تفسيره لتلك الظاهرة قال: 'إن الفجوة بين المجتمعات المعلمنة والجاليات التي يبقى الديني بالنسبة لها دليل سلطة وقوة أصبحت مصدر إشكال، فالمتدينون الملتزمون يعتبرون القرآن مصدر تشريع يتجاوز الهويات الوطنية'.
ثالثا: إعطاء المبرر والغطاء لعمليات عنف في الغرب
كثيرا ما يعول تنظيم القاعدة الذي يقوده أسامة بن لادن على البعد الديني الذي يدفع الغرب إلى احتلال ديار الإسلام وهتك عرض المسلمين ونهب ثرواتهم، وهم ما جعله مبررا لشن عمليات مماثلة حتى يرعوي الغرب ويقف عن طغيانه وجبروته المسلط على رقاب المسلمين.
والذي لاشك فيه أن تلك التصريحات المشينة الصادرة من رأس النصارى الكاثوليك سيعزز من مصداقية التنظيم، ويسهل له عملية تجنيد خلايا ملئها الغضب من إهانة دينها ومعتقداتها في الغرب لتتمكن فيما بعد من تنفيذ عمليتها.
ففي تسجيله الأخير خاطب الرجل الثاني في التنظيم د. أيمن الظواهري الغربيين بقوله: 'إن قادتكم يخفون عنكم حقيقة الكارثة، وإن الأيام حبلى وستلد أحداثًا جديدة بمشيئة الله وهدايته، [... ] ، وإن أية هجمات تشن على غربيين ويهود في أي مكان هي هجمات عادلة، لأن 'السياسة الدولية تقوم على قمع المسلمين'.
إن المتأمل لمجريات الأحداث، يخرج بانطباع ملزم بأن الإسلام أصبح عدوا مشتركا، وصداعا مزمنا في قلب العالم الغربي الذي اختار الصراع طريقا، والحرب نهجا في تعامله مع الإسلام، مدفوعا بروح التعصب المسيحي..والمسيح منه براء.
حمّل الدكتور الشريف حاتم العوني ـ المشرف العام على اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - ـ بابا الفاتيكان السادس عشر مسئولية أي تطرف أو إرهاب سوف يحدث ضده؛"لأن التطرّف الذي أخرج هذا التصريح لا يردّ عليه إلا تطرّفٌ من الطرف الآخر، وليس الإسلامُ ولا المسلمون من أهل التطرّف، إلا ما يصنعه الجهلةُ من جميع الديانات ومن جميع أمم الأرض من إشعالهم بجهلهم ناره، ليأتي تصريحُ البابا الآن مُذكِيًا لها، فسيكون عليه جزءٌ كبيرٌ من وِزْر هذا التطرّف، وعليه أن يتحمَّل مسؤولية الإرهاب الذي سينتج عنه!!"