فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 321

فتشت فلم أجد سببًا إلاّ ما ذكره ابن عقيل في كلمته المشهورة بعد أن قرر وجوب هجران الكافر:"وإذا أردت أن تعلم مكان الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله- ينظمان وينثران، هذا يقول حديث خرافة، والمعري يقول:"

تلوا باطلًا وجلوا صارمًا

وقالوا صدقنا فقلنا نعم!

يعني بالباطل كتاب الله - عز وجل -، عاشوا سنين وعُظّمت قبورهم، واشتُريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب""

قال ابن مفلح بعد أن نقله:"وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله -"ثم قال:"وقال ابن تميم: وهجران أهل البدع كافرهم وفاسقهم والمتظاهرين بالمعاصي، وترك السلام عليهم فرض كفاية، ومكروه لسائر الناس" (1) .

وإذا كان هذا الدين البارد هو دين كثير من النخب العلمية والسياسية والإعلامية، فلا غرو أن يكون المسلمون في هذه الحالة.

وقد كان من دعاء أنس - رضي الله عنه:"اللهم إني أعوذ بك أن أبقى في حُثَلٍ من الناس لا تبالي أغلبوا أو غلبوا" (2) ، فهم إذا كانوا بمثل هذه الصفة لم يبال الله بهم.

وكيف يكون الله نصيرًا لأمة تجل وتمدح وترضى من فرض الله عليها البراءة منهم، وأي نصر للدين يرجى من تلك النخب التي لا تزال دائبة في مدارةٍ وملاطفةٍ لأعداء الله، تارة باسم المصلحة وإن خالفت النص! وأخرى تحت ستار سماحة الشريعة وكأن كل ما رأوه سماحة فينبغي أن تُلوث به الشريعة السمحة المنزلة من السماء! وثالثة لأجل بيان محاسن هذا الدين لأعدائه! ورابعة ويا لفرط ذكائهم- أملًا في ممالأة بعض أهل الكتاب لنا على بعضهم الآخر..

مَنَّتْكَ نَفْسُك أمرًا لا تُؤلفه *** حتى تُؤلف بين الضبِّ والنُونِ

آلنونُ يهلك في بيداء مقفرةٍ؟ *** والضب يهلك بين الماء والطين!

أبلغ مُهَلْهَلَ عن بكرٍ مُغَلْغَلَةً *** مَنَّتْكَ نَفْسُكَ منْ غَيٍّ أمَانِيها!

أأنت تأمل من صخر الفلاة ندىً؟ *** سبحان ربك إن الصخر أحجارُ!

أستغفر الله مالي رحت مندفعًا *** يقودني نحو سوء الظَّنِ تيارُ

يا معشر البؤساءِ امشوا على أملٍ *** زاه ٍ تَبِنْ لكم في النَّشءِ أسرارُ

لئن يكن حظكم شالت نعامته *** ففي شباب العُلا عطفٌ وإيثارُ

وإن يكن ليلكم طال الظلام به *** فعندكم في سماء النشء أقمارُ

فحري بالدعاة والمربين تثبيت هذا النشء وتسديدهم وتعاهدهم وصيانتهم، فالأمل لا يزال معقودًا بعد الله بهم، كما لم يزل مرتقبًا في جموع العامة الذين لا يزالون على الفطرة يستنكرون القبيح، ويرفضون المسارعة في الكفر إذ لا يخشون دائرة متوهمة فالأمر يرونه واقعًا بهم، وكذلك الأمل معقود في كثير من العلماء العاملين، وفي شباب الصحوة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهم قائمون باذلون لهذا الدين، لا يضرهم خذلان من خذلهم بل هم على السنّة ثابتون ظاهرون منصورون، فحري بكل مسلم أن يلزم غرز هؤلاء، فإن عجز فعليه بخاصة نفسه وليدع أمر العامة وهذا هو جواب تبويب البخاري الذي رمز إليه عند ذكره حديث حذيفة - رضي الله عنه -. هذا والله أسأل أن يهدي ضالنا، ويصلح ساستنا وعلماءنا وإعلامنا، والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تنظر الآداب الشرعية لابن مفلح 1/238، وغذاء الألباب للسفاريني 1/270.

(2) غريب الحديث لابن قتيبة ص370.

أ. د. ناصر بن سليمان العمر

السؤال:

وصلنا أخيرًا نبأ وفاة بابا الفاتيكان، فرأينا الكثير من المسلمين يتباكون ويعزون في وفاته، وسؤالي فضيلة الشيخ، وأرجو ألا تتأخروا في الإجابة لأهمية الأمر:

أولًا: هل هذا البابا كافر أم مسلم؟

ثانيًا: هل يجوز الدعاء له بالرحمة؟

ثالثًا: هل يجوز لعنه والدعاء عليه؟

رابعًا: هل الترحم عليه والحزن لأجله من الموالاة الناقضة للإسلام أم لا؟

أرجو الإجابة بأسرع ما يمكن لأهمية الأمر، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن مما ابتليت به الأمة في عصورها المتأخرة كثرة الجهل وضعف العلم، مع كثرة قرائها وكتابها، ومن أثر ذلك ضعف معالم الولاء والبراء، والجهل بالبدهيات من أمور العقيدة، والرقة بالدين، ومداهنة أعداء الله.

وبعض ما ذكره السائلون يندرج في هذا الباب مثل السؤال هل البابا كافر أو مسلم، فإذا لم يكن البابا كافرًا فمن الكافر، وهل عن مثل ذلك يسأل لولا ما ذكرت، وقريب منه الدعاء له بالرحمة، والله المستعان.

وأشك في صحة النقل بأن أحد المشايخ يوجب الترحم عليه، ولا يقول بذلك من له أدنى علم بالشرع فضلًا عن أن يكون من المشايخ، ولكن لعل السائل نُقِل له ذلك، أو التبس عليه ما قال، فإن ثبت ذلك فلا نقول: إلا حسبنا الله ونعم الوكيل، قال - سبحانه:"ومن يرد أن يضله فلن تملك له من الله شيئًا".

وخلاصة الأمر:

1-البابا كافر، لا شك في كفره، ووصيته وشهادة قومه تؤكد أنه مات على ذلك، وما شهدنا إلا بما علمنا.

2-لا يجوز الترحم عليه، وهذا من الدعاء المنهي عنه، قال - سبحانه:"مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ" (التوبة: 113) ، وقال - سبحانه:"ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون" (التوبة: 84) والبابا مشرك؛ لأنه يعتقد أن عيسى ابن الله تعالى الله عما يقولون"وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ" (التوبة: من الآية30) ، ويقول بعقيدة التثليث، وهذا من بدهيات عقيدة النصارى.

3-أما لعنه، فالصحيح أنه يجوز لعن من مات كافرًا، أما إعلان اللعن والدعاء عليه فتراعى فيه قاعدة المصالح والمفاسد كما قرر أهل العلم -.

4-أما التعزية، ففيها تفصيل:

إن كان المراد تعزية أهله وقرابته لا أهل ملته، فقد كرهه بعض السلف، لكن الراجح جواز ذلك؛ لأن من السلف من عزى أهل الذمة في أمواتهم، ذكر ذلك ابن القيم - رحمه الله - في كتابه الرائع (أحكام أهل الذمة) ج1/ص438 فصل في تعزيتهم.

لكن يجدر التنبيه إلى أنه لا يجوز في التعزية الدعاء للميت بالرحمة ولا لأهله الكفار بحصول الأجر والثواب، كما يقال ذلك للمسلمين؛لأن الله لا يقبل من الكافر عملًا و لا طاعة حتى يسلم، وإنما يقال: أخلف الله لكم خيرًا منه، ونحو ذلك من الكلمات، كما ذكر ذلك ابن القيم - رحمه الله - قال في (أحكام أهل الذمة) :"قال الحسن إذا عزيت الذمي فقل لا يصيبك إلا خير، وقال عباس بن محمد الدوري: سألت أحمد بن حنبل قلت له: اليهودي والنصراني يعزيني أي شيء أرد إليه، فأطرق ساعة ثم قال: ما أحفظ فيه شيئًا، وقال حرب: قلت لإسحاق: فكيف يعزي المشرك قال: يقول أكثر الله مالك وولدك"ا. هـ

أما تعزية أهل ملته إذا مات منهم قسيس ونحوه فلا يجوز؛ لأن مفسدتها تربو على مصلحتها، وحيث يوهم الجهال بأن ما هم عليه حق، وبذلك فيغتر أهل الكتاب والمسلمون على السواء، بل إن تعزيته وبخاصة إذا كان معظمًا فيهم كالبابا، أشد أثرًا وخطرًا من مجرد تهنئتهم على عيدٍ أو شعيرةٍ دينية، وهذا أمرٌ لا يخفى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت