وتضم الجمعية في عضويتها حوالي 20 ألف عضو في الولايات المتحدة وكندا كما يتبعها 350 مسجدا ومركزا إسلاميا. وأضافت انغريد وهى أستاذة للدراسات الإسلامية في هارتفورد بولاية كونكتيكت"إذا بدأنا القيام بمقارنة بين العنف الذي ارتكب باسم الكنيسة الكاثوليكية وذلك الذي ارتكب باسم الإسلام فان هذه المقارنة ستأخذ الكثير من الوقت"، في إشارة إلى محاكم التفتيش التابعة للكنيسة ومعارضة الإصلاح والحروب الصليبية.
عبد الحق بوقلقول: الجزائر
من الواضح جدًا أن الهجوم على الإسلام لم يعد"مهمة"ترسمها عقول الإستراتيجيين البروتستانت من المسيحيين المتصهينين، إذ أن الرحلة البابوية الأخيرة في الأسبوع الماضي والتي قادت حبر المسيحيين الأعظم إلى بلده الأصلي في ألمانيا، أظهرت أنه لا وجود لفرق كبير في وجهات النظر عند المسيحيين بوجه عام، فلا خلاف عند هؤلاء، سواء كانوا متدينين أو علمانيين، بأن الإسلام الذي كان دومًا غصة في حلوقهم، هو مشكلة كونية لا يمكن التعايش وفق عرفهم، معها بعد أن ثبت -ولقرون طويلة- عدم القدرة على هزيمتها و اجتثاثها بدءًا من أولى معارك الفتوح الإسلامية على تخوم الشام و بيزنطة مرورًا بالحروب الصليبية التي حشدت لأجلها أوروبا كل مقدراتها وصولًا إلى هذه الحملة البوشية الشرسة التي لم يتورع رئيس أكبر دولة في العالم أن يسميها صراحة باسمها، قبل أن ينتبه من سكرة عنفوانه الديني المهووس بمنطق الانتقام فيصحح له مستشاروه كلامه و يحاولون عبثًا سحب ما قاله بدعوى الخطأ التعبيري و إن كانت الأحداث التي تلت ذلك خذلتهم و أثبتت دقة كلام كبيرهم.
ما يقع في الأعوام الأخيرة إذن لم يعد مجرد مشاعر"إسلاموفوبية"عابرة بمعنى أن الأمر أكبر من ذلك بكثير، فليس من الممكن أن نفسر كلام البابا بمفهوم آخر غير هذا الذي قاله؛ لأن الهجوم على الإسلام لم يعد يجري بطرق ملتوية وأساليب ماكرة تبطن من الشر و الحقد أكثر مما تُظهر، فهي اليوم أضحت تتم بكيفيات سافرة جلية، و لم يعد مُطلقوها يعيرون كبير اهتمام لمواقفنا بمعنى أنهم لم يصيروا مجبرين حتى على مراعاة ضوابط الخطاب الدبلوماسي وها هي انطباعاتهم عنا، تذاع عبر الأثير وتتخطفها كبريات الجرائد فتبرزها بأوسع المانشيتات بدعوى السبق والإثارة الإعلامية واحترام حرية الصحافة والرأي الآخر و الحق في الإعلام و ما إلى ذلك من مسوغات تبريرية، فالإسلام بات أخيرًا مرادفًا للفاشية ثم أضحى قبل يومين، معاكسًا للعقل و سببًا للعنف.
و بما أن الحال كذلك، فإن رواد هذا الوباء الجديد الذي يمكننا إجمالًا وصفه:"عدوى سبّ الإسلام"، تتمايز ثقافاتهم وأجناسهم ووظائفهم، وتتفق غاياتهم وعواقب أفعالهم وهم مع ذلك أيضًا، مُمْعِنون في التمادي على هذا والحق أنه من غير الممكن لأي كان أن يكتب مقالًا عن القضية من دون أن يجد نفسه مضطرًا إلى السخرية بما أن المنطق المقلوب، على طريقة:"رمتني بدائها.."، بات يمنح الآخرين الحق في الانتقاص من الإسلام على الرغم من أنهم أنفسهم، يدركون أن ما يؤمنون به مليء بالهرطقة وحتى البلادة التي لا يقبلها الصغار فضلًا عن الكبار إلا أنهم - على الرغم من ذلك - يفضلون الهجوم على علمهم أنهم لا يحسنون الدفاع.هل يمكننا أن نركب نفس المنطق ونثبت لهذا القس الأعظم أن كلامه اعتمد على بناء غير مؤسس لا يليق بمكانته العلمية بغض النظر عن مكانته الروحية؟ أليس من حقنا أن ننساق وراء فعلته و نستعير منه التسطيح التنظيري فنجعله يستنتج وحده- أن عقيدته لا تقف على رِجل؟ كل هذا ممكن وميسور وفي وسع كل شخص أن يقوم به و لكن عائقًا وحيدًا يقف في وجهنا: إن أخلاقنا والتعاليم التي أورثنا إياها آباؤنا على مر القرون و كابرًا عن كابر، تمنعنا من أن ننجر عبر ذات المنطق فديننا أصلًا يعلمنا أنه يتوجب علينا ألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.
سوف نسلم أن الإسلام دين عنيف وأن إلهنا -الذي يشهد العقل قبل باقي الحواس أنه واحد أحد- لا علاقة له بالعقل"على رأي البابا"فهل في وسع حبر روما أن يطلعنا عن السبب الذي لأجله خرجت ملايين الناس من بين المسيحيين أنفسهم، على سلطان الكنيسة فأسسوا مذهبًا جديدًا ثائرًا هو المذهب أو قل الدين، لأنه يخالف الكنيسة في أكثر مسلماتها- البروتستانتي؟ أم أن في وسعه أن ينكر أن الحروب الاستعمارية في العصور الحديثة، هي مجرد نسخ مطورة من تلك الحروب الصليبية التي باركها أسلافه في الكنيسة إلى حد أن أشهرهم وقتها، وهو بطرس الناسك، كان يجوب مدن أوروبا التي كانت ترزح تحت طبقات من الجهل والظلمات والأوبئة، حافي القدمين شاحذا النفوس لكي تهب وتفك الأرض 'المقدسة' من أيادي العرب المسلمين و كانت الألوف تسير وراءه حيثما حل و تنساق خلفه بعد أن كان القساوسة يعدونهم بكل صنوف الثواب الأخروي وحتى الديني بما أن الإقطاعيين أيضًا تعهدوا بالتغاضي عن ضرائب كل سائر في الحملة المقدسة؟
الأمثلة كثيرة و هي على تنوعها أغنى من أن يتم تناسيها؛ ففرنسا الاستعمارية مثلًا حينما قررت غزو الجزائر في العام 1830، رأى ملكها شارل العاشر أن الواجب الديني يلزمه بأن يأخذ الإذن ثم التباريك من قداسة البابا في روما قبل أن تكون أول مهمة يقوم بها رجاله حينما دخلوا العاصمة الجزائرية على جثث عشرات الألوف من أبنائها، أن يدمروا المساجد و يحولوا أكبر مسجد فيها -جامع كتشاوة- إلى كاتدرائية فضلًا على أن مستلزمات هذه الحرب المقدسة دومًا تطلبت من هؤلاء الجند أن يحولوا عددًا غير معلوم على وجه الدقة من المساجد إلى إسطبلات وأوكار للفساد! هل نسي البابا هذا أم تراه تناساه؟! إذ من غير المعقول أن نقبل التفسير التبليدي البسيط الذي يقول أن 'قداسته' أخطأ التعبير، بما أن هذا غير ممكن فالرجل كان يلقي محاضرة أكاديمية على مدرج الجامعة وبالتالي فإن النص المكتوب أمامه، خضع للمراجعة والتنقيح والضبط مثلما هي عادة كل بحث أكاديمي علمي يقدمه أستاذ و الرجل -أولًا وأخيرًا- كان أستاذًا جامعيًا للاهوت قبل أن يصير كبيرًا للكاثوليك في العالم.
الواقع أن المنطق يقتضي منا أن نتساءل هنا عن السبب الذي وفقه، بات هذا الرجل الذي يفترض أنه أعلم الكاثوليك بالإسلام بحكم تكوينه كما قلنا أولا ثم بحكم منصبه، لا يتردد في أن يمعن في الخطأ، فليس مسموحا لدينا - نحن المسلمين - مثلا أن يتبوأ درجة الإمامة ويبلغ منصب العلم والفضل، من لا يعرف أبسط قواعد الأديان 'الكتابية' الأخرى وفق طريقة علمية تمنحه الحق فيما بعد، أن يكون مجادلًا بالحسنى وهنا يتعين علينا من جهة أخرى أيضًا، أن ننتبه إلى أننا - نحن المسلمين- اعتدنا التحرك بردود الأفعال، و منحنا الآخرين الحق في القول إننا استحلينا الخمول والقعود وهي حالة الكثيرين منا إلى درجة بات الآخرون لا يتعبون أنفسهم في سبيل لوم ديننا من الاستشهاد بواقعنا الذي لا يمت بكبير صلة إلى التعاليم التي يفترض أنها تحكم كل حركاتنا و سكناتنا.