وفي ظل ثورة المعلومات والاتصالات ورغم أن سيوف اليوم وسهامه (وهي الصواريخ عابرة القارات والقنابل النووية) مشرعة في وجه العالم الإسلامي لنشر عقيدة الليبرالية وديمقراطية واقتصاد السوق، فإن الإسلام يشق طريقه في العقل الجمعي ليس للغربيين الأفراد وحدهم، ولكن حتى في المراجع الدينية والمؤسسات المختلفة بما فيها المؤسسات الكنسية التي لم تعد تستطيع (كما فعلت من قبل) أن تدعي في عصر ثورة المعلومات على العقيدة الإسلامية ما ليس فيها بدون أن ينكشف هذا الادعاء.
إن تاريخ الادعاء على الإسلام بما ليس فيه ارتبط دائما في العقل الجمعي المسيحي الغربي بالشعور بالحصار والانكشاف في مواجهة المسلمين. فقد أطلقوا على المسلمين اسم المحمديين وادعوا عليهم ما ليس في معتقداتهم. ولا تزال الكتب الكنسية القديمة غاصة بكل عجيب من الافتراءات. إن البابا على الأقل لم يقل إن المسلمين يعبدون محمدا كما ادعى أسلافه في القرون الوسطى، ولكنه وجه سهام النقد إلى الطريقة التي تم بها في نظره نشر الإسلام على أنها لا ترضي الرب وهذه نقطة تحسب له. خلاف الكنيسة الكاثوليكية مع الإسلام إذن يمكن أن يوصف بأنه خلاف في (الفروع) وليس في الأصل الأكبر وهو عبادة الله الواحد خالق الكون والإنسان.
إن الإسلام والكاثوليكية والأرثوذكسية وكل المؤمنين بالله وكل المؤمنين بالمرجعيات الخلقية في خندق واحد في حقيقة الأمر ضد اللادينيين والمادية واللا أخلاقية. وهذا البابا الألماني التقليدي المحافظ يشعر أنه محاصر داخل أسوار الفاتيكان، بينما تناوشه المؤسسة المادية الغربية المتنفذة من كل جانب وتأكل من اختصاصاته القليلة الباقية وتلتهم أتباعه المتناقصين.
والإسلام الفتي الناهض الذي تدق أفكاره وعقيدته أبواب الحصون المادية الأوروبية ويزداد ظهور أتباعه فيما كان في الماضي يعتبر من حمى الكنيسة الكاثوليكية يسبب له مزيدا من التوتر.
وهذه العوامل كلها تجعل البابا يشعر بأنه محاط به وتجعله لا شك يقلب في أوراق التاريخ وينظر في أحوال مَنْ كان في مثل موقفه لعله يلتمس منهم السلوى.
** أكاديمي مصري.
السيد ولد أباه**
محاضرة البابا بين اللاهوت والسياسة
لقد غاب عن الكثيرين، بل عن البابا بنديكت السادس عشر نفسه، أن الرجل الذي كان يحاضر في منطقة"البافير"الألمانية حول تجديد الدين المسيحي ليس رأس المؤسسة الكاثوليكية بل رجل اللاهوت المتفلسف"جوزف رازينغر"، الذي عرف قبل اعتلائه مركز البابوية بتكوينه الفلسفي اللاهوتي الصلب وميله للحوار حول موضوعات الدين والعقلنة والتقنية في المجتمعات الغربية التي انهارت فيها المؤسسة الدينية، وانحسرت فيها المعتقدات المسيحية.
فالرجل الذي انتخب في أبريل 2005 خلفا للبابا البولندي -الذي عرف بحسه الانفتاحي وميله للحوار مع الثقافات والديانات الأخرى وعلى الأخص الإسلام- لم يكن يعرف عنه الكثير خارج الوسط اللاهوتي الكاثوليكي الضيق، على الرغم أنه نشر سيرة ذاتية مفصلة بعنوان"حياتي"يسرد فيها مساره الثقافي والديني في المرحلة الممتدة من ميلاده (1927) إلى عام 1977.
نقطتان أساسيتان
وقد كتبت عن البابا الجديد عدة كتب في السنتين الأخيرتين، اتفقت في نقطتين أساسيتين:
أولاهما: أن الأسقف الذي بدأ منفتحا مجددا في المجمع الفاتيكاني الثاني، تحول في السنوات الأخيرة إلى وجه محافظ متشدد يتبنى أكثر المواقف الكنسية انغلاقا، مما جر عليه سخط بعض الأساقفة الأقرب لسلفه.
ثانيتهما: أن الرجل مهووس بسبل تجديد الإيمان المسيحي وتدعيم حضور المؤسسة الكنسية في المجال العام وفي الحقل الاجتماعي والقيمي.
وعلى عكس بعض التيارات المسيحية الساعية لتبني المنطلقات والمفاهيم التحديثية داخل النسيج العقدي والقيمي للمسيحية كتيارات لاهوت التحرر والتفكيكية اللاهوتية والنزعات الإنجيلية الأمريكية.. يرى البابا بنديكت أن تجديد الديانة المسيحية لا يكون إلا بمحاربة الفكرتين الرئيسيتين اللتين جرفتا الحداثة الغربية خارج الدين وهما: النزعة العقلانية المشطة الرافضة للوحي، والعلمانية النابذة للأخلاق والمفضية للتصورات النسبية للقيم.
ولم يفتأ جوزيف رازينغر يعبر عن هذه الأفكار في كتاباته اللاهوتية والفلسفية الغزيرة. ومن أهم هذه الكتابات حواره الثري مع الفيلسوف الألماني الأشهر"يورغن هابرماس"حول"الأسس الأخلاقية ما قبل السياسية للدولة الليبرالية" (نشرت مجلة اسبري أوراق هذا الحوار في عددها بتاريخ يناير 2004) .
ففي حين دافع هابرماس عن الدولة العلمانية الحديثة القائمة على التقليد العقلاني الأنواري (شرعية استقلال الذات الراشدة والتصور الأداتي الإجرائي للقيم الجماعية) .
يتحدث رازينغر عن الهوة المتفاقمة بين عقلانية تقنية جامحة خارج السيطرة وممارسة دينية صارت عقيمة لأنها أقصيت من أطر الفاعلية.
نزعة مناوئة للتعدد
ويذهب إلى حد الكلام عن"مرض العقل الغربي"معتبرا أن الثقافة الغربية هي في آن واحد بنت الديانة المسيحية والعقلانية اليونانية، ولا يمكن أن يقوم توازنها إلا عن هذين المنبعين معا. فأخطر ما عانت منه هذه الثقافة هي الانحراف تحت إغراء المفاهيم النقدية والتاريخية إلى فكرة التعددية الثقافية وحق الاختلاف، مما انجر عنه تقويض مفهوم العقلانية الكونية، من جهة و"كونية الوحي المسيحي"من جهة أخرى.
ومن الواضح أن العقلانية التي يدافع عنها البابا الكاثوليكي ليست عقلانية الأنوار ذات النزعة الإنسانية التاريخية ولا العقلانية النقدية التفكيكية المعاصرة، بل العقلانية اللاهوتية النسقية العتيقة المتجاوزة.
من هذا المنظور يندرج كلامه الجارح ضد الإسلام في سياق تمسكه بالسياح اللاهوتي الكاثوليكي الوسيط، ونزعته المناوئة لمقولة التعددية القيمية التي هي الخلفية النظرية والمرجعية لفكرة حوار الديانات والحضارات.
ثلاث أوجه
وإذا كانت بعض المؤشرات السابقة تكشف عن موقفه المتعصب من الإسلام، كاستقباله للصحفية الإيطالية أوريانا فالاشي التي اشتهرت بكتاباتها العنيفة الحاقدة والعنصرية ضد الإسلام والمسلمين في سبتمبر 2005، إلا أن الفقرات التي وردت في محاضرته الأخيرة حول المقارنة بين التصور الإسلامي للإلوهية"المناقض للمقولات العقلية"والتصور المسيحي"ذي المسحة العقلانية الإنسانية"تندرج في ما أشرنا إليه من هاجس تجديد الممارسة الدينية في المجتمعات الغربية بإرجاعها لجذورها الدينية التي تمردت عليها.
فالحديث عن الإسلام في هذا السياق، له أوجه ثلاثة مترابطة يحيل أولها إلى ما يعتبره البابا التحدي الخطير الذي تطرحه هذه الديانة التي تحولت إلى الدين الثاني في البلدان الغربية على الانسجام العقدي والثقافي في الوسط المسيحي الرئيسي.
في حين يحيل الوجه الثاني إلى الخلفية اللاهوتية المعروفة للصدام العقدي المسيحي ـ الإسلامي (درسها باستفاضة الباحث التونسي عبد المجيد الشرفي في كتابه الضخم الذي تناول فيه تجربة الحوار الإسلامي المسيحي في العصور الوسيطة) .