أليس من المثير أن 57% من المواليد في عام 2003 في بروكسل مقر الاتحاد الأوربي كانوا من المغاربة! (والمشكلة الديموغرافية عالمية، فقد تضاعف عدد المسلمين في العالم 235% في الخمسين عاما الماضية بينما لم يزد عدد المسيحيين إلا بمقدار 47% في نفس الفترة) .
ومع تقدم الأيام وظهور الأجيال التالية من أبناء المسلمين الذين لا يعرفون أوطانا لهم سوى أوروبا، تزداد كل يوم في أوروبا مظاهر الإسلام المختلفة من رجال ذوي لحى، ونساء محجبات، ودور عبادة تقام في كل مكان بل وفى أبنية الكنائس المهجورة.
كما يعلو صوت المسلمين بمطالب لم تعتدها أوروبا من اعتراف رسمي بالإسلام كدين وتعليمه في المدارس، والحديث عنه باحترام، وعدم الافتراء عليه، وتعديل ظروف وأوقات العمل بالنسبة للمسلمين بما لا يتعارض مع فرائض الإسلام، إلى الحرص على أكل الحلال من الطعام.
إن ازدياد المظاهر الإسلامية في أوروبا وازدياد عدد المساجد في ألمانيا موطن البابا الجديد إلى 2500 مسجد، وتضاعف عدد المسلمين في أوروبا بمقدار 300% في الثلاثين عاما الماضية جعلتهم أكثر ظهورا وأكثر إثارة للمشاعر الأوروبية المحافظة.
إن رؤية تلك الأعداد المتزايدة من البشر الذين يأكلون ويتصرفون ويتكلمون بطريقة مختلفة وملامحهم ليست هي الملامح التي يعجب بها إنسان الحداثة الغربي تجعل من الصعب على الغربي (وخصوصا الألماني التقليدي المحافظ) أن يشعر بالارتياح.
أوروبا والحاجة للمسلمين
إن"فرانسيس فوكوياما"و"صموئيل هنتنجتون"قالا إن النخب الأوروبية لا يصح أن تشعر بالعار عندما تدافع عن تقاليدها الثقافية مثل الهيومانية المادية والمسيحية في مواجهه الوجود الإسلامي المتزايد في أوروبا. لا بد أن مثل تلك الأفكار والأقوال في ظل الواقع الأليم تلح على العقلية الأوروبية التقليدية المثقفة ومنها عقلية البابا الألماني الكاثوليكي الجديد وتضغط عليه. أ
إن محاولات تركيا المستميتة للانضمام للاتحاد الأوروبي الذي أنشأته الأحزاب الديمقراطية المسيحية الأوروبية كناد مسيحي تثير حفيظة النخبة المحافظة التي لا تحب أن يكون أكبر عضو في الاتحاد الأوروبي من حيث عدد السكان دولة مسلمة!
والأتراك يصرون مرة ثانية على محاصرة أباطرة أوروبا، فمجرد ذكر تركيا ذات الشعب الفتي كثيف العدد (70 مليونا) ومعدل المواليد المرتفع يثير شجون أي أوروبي تقليدي محافظ مثل البابا الكاثوليكي الذي يقضي وقته في قراءة تاريخ سقوط الدولة البيزنطية وأوراق إمبراطورها المحبط وتجعله يستشهد بمقولات ذلك الإمبراطور الأرثوذكسي القديم الذي حاصره الأتراك بأسلوب آخر.
لقد عاد الأتراك (وإخوانهم في الدين) لفعلها مرة أخرى اليوم ولكن بوسائل ديموغرافية لا بوسائل عسكرية، وفي الماضي كان ذلك الإمبراطور المحبط تؤخذ منه الدنيا رغما عنه وهو يقاوم بشراسة.
لكن أوروبا المسيحية اليوم تجد نفسها في موقف شائك بصورة أشد إيلامًا، فهي تحتاج إلى هؤلاء الأغراب المكروهين. وعادة لا يحتاج الأعداء لبعضهم، وهو وضع مريح يمكن الإنسان من أن يعادي عدوه بكل قلبه وقواه.
لكن ما يثير المرارة والارتباك هو ذلك الشعور المحبط بأنك مضطر لأن تفتح لهم أبواب حصونك بيدك.
وكما كان الإمبراطور البيزنطي القديم يشعر بأن المتاعب تأتيه من داخل بيته وممن كان من المفروض أن يكونوا حلفاءه الطبيعيين، فإن بابا روما الحالي يشعر بنفس المشكلات تقريبا ولكن من ناحية العقيدة والأفكار وأتباع الكنيسة.
لا شك بأن البابا يشعر بالغربة العقيدية في وطنه الأم ألمانيا مهد البروتستانتية التي كادت تعصف بالكاثوليكية وكنيستها. لا بد أن هذا الأمر ساهم في العصف بالسلام الداخلي الذي يشعر الإنسان به حال نشأته على دين الأغلبية، وساهم في إذكاء الشعور بالحصار في نفسه.
كما أن ألمانيا أيضا كانت ولا تزال من معاقل الفكر المادي التنويري الحداثي المعادي للمؤسسة الكنسية وللدين بصفة عامة.
إن أوروبا الغربية وبصرف النظر عن الإحصائيات التي تبين أعداد أصحاب كل دين، تعاني من نسب متزايدة من المبتعدين عن الدين والتدين بصفة عامة، حتى أن كل الإحصائيات تشير إلى أن نسبة أتباع أي كنيسة تتراوح من 20% إلى 30% على أقصى تقدير، وهؤلاء فقط هم الذين يتوزع ولاؤهم على الكنائس المختلفة. أما الباقون فهم إما لا دينيون أو يتبعون أديانا أخرى وعلى رأسها الإسلام.
إن أوروبا التي كان من المفروض أن تكون العمق الطبيعي للمسيحية الغربية هي مصدر أشد الضربات التي توجه إلى الدين والتدين المسيحي. فما أشبه الليلة بالبارحة! لقد وحَّد القلق من أوروبا ومن الإسلام بين الإمبراطور الأرثوذكسي القديم وبين البابا الكاثوليكي الحديث.
الكاثوليكية وآخر الفرسان
إن الكنيسة الكاثوليكية تقف وحدها تقريبا في الغرب المسيحي مدافعة عن المرجعية الخلقية الإلهية وعن مؤسسة الأسرة والزواج رافضة الإجهاض، وكل ما يعارض المعتقدات المسيحية ذات المرجعية الدينية الثابتة.
بينما ظاهرة الشواذ والمثليين والتحرش بالأطفال ظواهر مجتمعية في الغرب تضرب بجذورها في الأسس الأيديولوجية لحضارة التنوير والحداثة الغربية منذ أن وضعت في عصور النهضة وما نتج عن ذلك من انهيار للمرجعيات، وهي أمور لا تمثل فضائح بالنسبة للطوائف الأخرى التي تمثلت مبادئ تلك الأيديولوجية بالكامل. ولكنها تمثل فضائح بالنسبة للطائفة المسيحية الغربية الكبرى التي لا تزال تتمسك بالمرجعيات الدينية الثابتة وبالأخلاق التي وضعها الله لعباده تسلط عليها أضواء وسائل الإعلام في عصر ما بعد الحداثة الذي تخلص من المرجعيات.
إن ما يقال عن الفضائح الخلقية لكهنة الكنيسة الكاثوليكية والتي يسلط عليها أشد الأضواء في أمريكا ذات الأغلبية البروتستانتية التي لا ترى في هذه الأمور فضائح بالنسبة لها هو في الحقيقة شهادة إيجابية للكنيسة الكاثوليكية، وهو أيضا إشارة إلى المتساقطين من رجالها تحت مطارق اللامرجعية التنويرية لعصر ما بعد الحداثة. انظروا إلى الطوائف الأخرى ستجد فيها نفس تلك الظواهر، لكن أصحابها يتحركون بحرية في السلم الهرمي لكنيستهم، حيث لا أحد هناك يستطيع أن يشير إليهم بإصبع الاتهام إلا بناء على رأيه الشخصي الذي لا يأبه به أحد وذلك بعد الاستغناء عن المرجعية الإلهية الثابتة.
واقع محبط
ترى كم تركت تلك الأيديولوجية المادية الفكرية (التي يمكن اعتبارها طبيعة لصيقة بالشخصية الغربية) من الآثار على المؤسسات الكنسية ومنها الكنيسة الكاثوليكية، إن هناك مؤشرات تاريخية تشير إلى أن خروقات كثيرة حدثت وكان من مظاهرها وفاة البابا"جون بول الأول"في 28 سبتمبر 1978 فجأة بدون مرض أو مقدمات بعد 32 يومًا فقط من اعتلائه كرسي البابوية في حادث مفاجئ ثم التكتم عليه بشدة عندما ظهر أنه يحاول إجراء بعض الإصلاحات الإدارية والمالية الجذرية في مؤسسة الفاتيكان وخصوصا بنك الفاتيكان.
إن الكنيسة الكاثوليكية اليوم في وضع يصيب بالإحباط فهي ليست في أوج قوتها وسلطانها على مؤسساتها وعلى المؤمنين.
كما أن الأيديولوجية المادية ومؤسساتها التعليمية الإعلامية النافذة في المجتمعات الغربية تأكل من أتباعها في الغرب باستمرار بتحويلهم إلى لا دينيين، بالإضافة إلى أن المجتمعات الغربية المتناقصة العدد تحتاج إلى الأيدي العاملة الفتية وأهم مصادرها هو العالم الإسلامي (ذلك العدو القديم) ، وذلك لكي تحتفظ بعجلات حضارتها دائرة.