فلقد كانت الإمبراطورية البيزنطية في مرحلة اضمحلالها مرتعا للجميع، وكانت الحملات الصليبية الكاثوليكية لتحرير بيت المقدس تنهب في طريقها كل المدن البيزنطية وأهلها المسيحيون، بل إن قلة عدد المتطوعين في الحملة الصليبية الرابعة عام 1203 التي كانت تستهدف فتح مصر جعلتهم يصرفون النظر عن الهدف الأصلي بعد ما تورطوا في استئجار سفن الحملة من تجار فينيسيا بتكلفة باهظة واضطر القائمون على الحملة تحت ضغط أصحاب السفن إلى الإبحار إلى بيزنطة ناهبين في طريقهم كل ما صادفوه من مدن حتى دخلوا القسطنطينية بخدعة ماكرة ونهبوها تماما وأحرقوا مبانيها العريقة لجمع ما يكفي لسداد تكلفة الحملة الفاشلة، وأضعفوا بذلك وللأبد ما تبقى من قوة الإمبراطورية البيزنطية الآفلة.
ومن ناحية أخرى شهد القرن الرابع عشر حروبًا مستمرة مع الدولة العثمانية تم فيها إنهاء الوجود البيزنطي في آسيا الصغرى تماما. ولم تتوقف الهجمات العثمانية على ما تبقى من الإمبراطورية البيزنطية في أوروبا، ولم تتوقف أيضا محاولات والده (الإمبراطور جون الخامس 1341-1391) لطلب المعونة من دول أوروبا الكاثوليكية دون جدوى.
وكانت هناك أيضا صراعات داخل الأسرة الملكية على عرش الإمبراطورية البيزنطية الآفلة. وكان كل المتصارعين يلجئون لطلب المساعدة من سلاطين الدولة العثمانية حتى أن"مانيويل الثاني"نفسه، صاحب المقولة التي استشهد بها البابا، أقام في بلاط السلطان"بايزيد"كرهينة مكرمة في مقابل المساعدة في عودة والده على العرش بعد ما انقلب عليه جون السابع (ابن أخيه أندرينيكوس الرابع) .
وقام"مانيويل الثاني"أثناء تواجده في بلاط السلطان"بايزيد"بمساعدة السلطان في القضاء على الجيوب البيزنطية الأخيرة في آسيا الصغرى!
كان الإمبراطور"مانيويل الثاني"ممزقا بين ضعفه بالمقارنة بالدولة العثمانية الفتية وضعفه في مقابل القوى الأوروبية الأخرى المعادية للكنيسة البيزنطية الأرثوذكسية. واضطرته البرجماتية السياسية لمحاولة الاتحاد مع القوى الأوروبية الكاثوليكية الأخرى لتقوية ملكه ضد الجميع، بل حاول إنشاء مجمع للكنائس بهدف تقوية الجبهة المسيحية وذلك رغم الخلافات الجوهرية في الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية ولكن دون جدوى.
ففي ظل قناعة فينيسيا بأن الإمبراطورية البيزنطية منتهية لا محالة عقدت اتفاقًا مع الدولة العثمانية تقايض فيها امتناعها عن مساعدة الإمبراطور البيزنطي في مقابل سيطرتها على بحر إيجة.
وهكذا عاش الإمبراطور مانويل الثاني (رغم ميوله الأدبية التي تنبئ عن رقة نفسه) طوال حياته وهو محاصر بالأعداء تماما من كل جانب بل وفي داخل الأسرة الإمبراطورية نفسها، وشهد تآكل الإمبراطورية البيزنطية من كل ناحية تحت تأثير كل هؤلاء الأعداء. وبسقوط القسطنطينية (1453) سقطت تماما آخر بقايا الإمبراطورية الرومانية القديمة.
وبذلك عانى الإمبراطور المحبط من تآكل الملك، ومن الهزائم، ومن تناقص الأتباع، ومن دفع الجزية، ومن الفشل في حشد الحلفاء والمساعدات من أوروبا، بل ومن العيش كرهينة في يد أعدائه.
وإن استشهاد بابا الفاتيكان بهذا الإمبراطور يكشف من حيث لا يقصد عن نفس متوترة لعلها تعاني من نفس الإحباط الذي كان يعانيه الإمبراطور القديم ولكن بصورة مختلفة.
البابا.. والتركة المثقلة
إن الأحوال التي يعيشها الغرب بصفة عامة تجعل من الصعب على بابا الفاتيكان خصوصا إذا كان ألماني الأصل أن يشعر بارتياح. فالطبيعة البشرية بصفة عامة تميل إلى الحسم وربما العنف في أثناء البناء، وتتصف بالطمأنينة والسماحة عند الشعور بالقوة واستتباب الأمر، بينما تعاني من التوتر وضيق الصدر عندما تشعر بالأزمة.
لقد حافظت الكاثوليكية بإبقائها على المرجعية الخلقية الثابتة المستقاة من الدين على التواضع الذي تميزت به المسيحية على مر القرون فكانت أكثر المذاهب المسيحية انتشارا بين الفقراء وفي جنوب الكرة الأرضية، طبعا مع بعض التدخلات بالسيوف وغيرها لإقناع المترددين وذلك ليتحقق خلاصهم على الأقل من ضغوط الكنيسة.
وكانت كل الفظائع التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية على مر العصور الوسطى تستهدف نشر العقيدة. في حين أن البروتستانتية مثلا كانت أكثر طائفة مسيحية تأثرًا بفكر النهضة التي جعلت من الإنسان مرجعًا لنفسه، بحيث أصبحت المراجع بعدد المؤمنين، فوقع أتباعها فريسة لأفكار المادية والعنصرية التي راجت في الفكر المادي الحداثي في الغرب.
ولهذا ففي حين اهتم الكاثوليك بنشر العقيدة (ولو بأساليب تستحق من البابا موقفا معترفا بخطئها، منها مثلا محاكم التفتيش التي استأصلت شأفة المسلمين تماما من الأندلس القديمة) ، فإن البروتستانت اهتموا بنشر أنفسهم كعنصر متميز عن بقية البشر.
لقد تسلم البابا الكاثوليكي الحالي تركة مثقلة، فالعالم الغربي الذي نشأ في ظل الأيديولوجية التنويرية الفردية أصبح يعاني من مشاكل سياسية واجتماعية وسكانية حادة جعلت التوتر وضيق الصدر أقرب إلى نفسه من الطمأنينة والسماحة.
الغرب وخطر الانقراض
لقد أدت تلك الأيديولوجية المادية إلى إضعاف العاطفة الدينية في الغرب بصفة عامة، كما أدت إلى الفردية وإضعاف مؤسسة الأسرة، وعدم الرغبة في الزواج وفي إنجاب الأطفال بل وقتلهم بالإجهاض وذلك لأسباب يطول شرحها، إلا أن الثابت من الإحصائيات أن الغرب بصفة عامة وكل من سار على دروبه يعاني حقيقة من خطر الانقراض.
لقد انخفضت معدلات المواليد في أوروبا وأمريكا بين البيض خصوصا، وهم أشد المتأثرين بأيديولوجية التنوير والحداثة، وأصبحت تتراوح بين 1.4 طفل إلى 1.1 طفل لكل زوجين وهي نسبة أقل بكثير من المعدل المطلوب لثبات عدد السكان وهو 2.1 طفل لكل زوجين وذلك طبعا بشرط أن يتزوج الجميع، وأن يتزوجوا من الجنس الآخر عندما يتزوجون وهي أمور قد لا تحدث في أوروبا وأمريكا.
فهناك تفضل العلاقة الجنسية الحرة على قيود الزواج الكنسية ومسئولياته (وبعضهم يفضل زواج المثل) وقد لا ينجبون ويكتفون عادة بطفل واحد أو طفلين لأسباب كثيرة تضرب بجذورها في أيديولوجية التنوير والحداثة، ومقومات النهضة الصناعية، والمجتمع الاستهلاكي وذلك يجعل حل المشكلة الديموغرافية الغربية شبه مستحيل في المستقبل المنظور.
فالاتحاد الأوروبي يحتاج إلى 750 مليون مهاجر في سن العمل حتى عام 2050 لتعويض النقص المتزايد في المواليد والاحتفاظ بعجلة الاقتصاد دائرة. والمصدر الأساسي لسد هذا الاحتياج البشري هو العالم الإسلامي الذي يتمتع بمعدلات مواليد عالية، حتى أن نسبة السكان تحت 20 عاما تزيد عن 50%.
وأوروبا اليوم بها حوالي 25 مليون مسلم يعيش حوالي 75% منهم في الاتحاد الأوروبي وهم يمثلون الآن نسبة صغيرة من السكان (أقل من 5%) ، لكن معظم خبراء الديموغرافيا يتنبئون بزيادتهم إلى 10% مع حلول عام 2020 (جلهم من الشباب، بينما تتزايد نسبة كبار السن والعجزة والمقعدين بين غيرهم من الأوربيين) . وهذا الأمر هو الذي يجعل الخبراء (الذين لا يستبعد قيامهم ببعض عمليات التجميل للإحصائيات الفعلية قبل نشرها، وذلك بعد عرضها طبعًا على صناع القرار) يتوقعون زيادة أعداد المسلمين في أوروبا.