فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 321

إن مواقف هذا البابا من الإسلام معروفة مسبقًا، ولكن الأمة الإسلامية آثرت في السابق أن تعطي لهذا البابا فرصة إعادة النظر في تلك المواقف بعد أن تولى أعلى المناصب الدينية في العالم الغربي. إن هذا البابا هو من عارض وبشدة دخول تركيا إلى الاتحاد الأوربي، ولم يتنازل عن هذا الموقف حتى الآن، وكان تفسيره لتلك المعارضة أن تركيا"تنتمي إلى دائرة ثقافية أخرى"، وأن دخول تركيا إلى الاتحاد الأوربي سيكون"خطأ جسيمًا يسير عكس أمواج التاريخ"فهل كان يشير إلى التاريخ الذي وقف فيه العثمانيون على أبواب فيينا، أم تاريخ الحروب الصليبية التي تسببت في قتل مئات الآلاف من المسلمين بدعوى نشر المسيحية. إن هذا البابا يبحث عن إحياء أوربا المسيحية، ولا أتمنى أن يكون باحثًا في طياتها عن أوربا الصليبية مرة أخرى. إنه ينقب دائمًا في التاريخ عن ذلك، وينوي بعد كل ما قال أن يزور تركيا أيضًا في شهر نوفمبر القادم، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.

إن هذا البابا قد كتب في عام 1996م أن"الإسلام لا يمكن أن يتعايش مع العالم المتمدن"، فهل هذا هو احترام الإسلام الذي يقصده هذا البابا. إنه نفس البابا الذي هاجم في العام الماضي قيادات المسلمين في ألمانيا بدعوى أنهم قد فشلوا في"إبعاد أبنائهم عن ظلام البربرية الجديدة".. حقًا إنه يحترم مشاعرنا!

وفي اجتماع سري عقد في مدينة كاستيل جوندولوفو الإيطالية بحضور البابا في سبتمبر من عام 2005م، وحضره أحد الأساقفة من فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأسقف جوزيف فيسيو، نقل هذا الأسقف أن البابا تحدث في الاجتماع المغلق عن الإسلام، وذكر أن البابا أعرب عن رأيه أن الإسلام"بخلاف كل الأديان الأخرى لا يمكن إصلاحه، ولذلك فهو لن يتوافق أبدًا مع الديمقراطية، لأن حدوث ذلك يقتضي إعادة تفسير جذرية للإسلام، وهذا مستحيل بسبب طبيعة القرآن نفسه وعلاقة المسلمين به". وعندما ناقشه أحد الأساقفة أن ذلك ما يزال ممكنًا، اعترض البابا بوضوح كما ينقل عنه الأسقف جوزيف فيسيو قائلًا إن البابا علق على ذلك بهدوء ووضوح قائلًا:"هناك مشكلة أساسية في هذا الرأي. أن الرؤية التاريخية الإسلامية تؤمن أن الله قد أنزل كلماته على محمد، وأنها كلمات باقية إلى نهاية الزمان، وهي ليست كلمات محمد.. وبالمقابل فإن هناك منطق داخلي للإنجيل المسيحي تسمح له وتطالبه أن يتغير ويتأقلم مع المواقف المتجددة".

وفي تعليق آخر على نفس الاجتماع، ذكر الباحث في الإسلام سمير خليل سمير، الذي حضر أيضًا الاجتماع المغلق أن البابا يرى إمكانية تغير الإسلام فقط إن أمكن"إعادة تفسير القرآن بشكل جذري وكامل، وإعادة النظر بالكامل في مبدأ عصمة الوحي"فهل الحوار مع الأديان الأخرى يمكن أن يتقدم من خلال تلك الرؤية السوداوية للإسلام. لماذا لا يكون البابا صريحًا وواضحًا في مواقفه بدلًا من محاولات الاستخفاف بالأمة بشكل مهين بعبارات من مثل"حزين جدًا"التي لم تعد تنطلي على أحد.

قام أحد الصحفيين في منتصف هذا العام، بسؤال البابا بشكل مباشر ومفاجئ إن كان يعتبر"الإسلام دين سلام". رفض البابا أن يصف الإسلام بدين السلام، وإنما قال بثقة:"إنني لا أرغب في استخدام الكلمات الكبيرة لوصف أمور عامة.. إن الإسلام بالتأكيد يحتوي على عناصر يمكن أن تميل إلى السلام، ولكنه أيضًا يتكون من عناصر أخرى.. ولابد لنا أن نختار دائمًا أفضل العناصر". إن البابا يريد لأمة الإسلام أن تكون انتقائية في تعاملها مع ما يأمر به هذا الدين، ولكنه في الوقت نفسه لا ينتقي من هذا الدين أفضل ما فيه لكي يتحدث عنه، ولكنه يكتفي بالهجوم غير المبرر والدائم والمتكرر على الإسلام وعلى رموز الإسلام.

وفي اليوم السابق لهذا التصريح الصحفي، قام البابا أيضًا بتوجيه النصيحة التالية للمسلمين:"ارفضوا طريق العنف الذي تسبب في معاناة ضخمة للسكان المدنيين، واعتنقوا بدلًا من ذلك سياسة السلام". لم يكلف البابا نفسه عناء توجيه نفس الرسالة إلى قادة الغرب الذين يقتلون باسم الديمقراطية عشرات أضعاف من يقتل ظلمًا وزورًا باسم الإسلام، ولم يكلف البابا نفسه أيضًا عناء مخاطبة قادة الكيان الصهيوني أن يلجئوا إلى السلام بدلًا من القتل اليومي والمتكرر لأبناء الأمة الإسلامية في فلسطين ولبنان.

إننا لا نطالب البابا أن يعتذر.. فهو قد تحدث بما يجول في خاطره، ويؤكد مواقفه التي تكررت طوال الأعوام الماضية في الهجوم على الإسلام.. ولكننا نطالبه ألا يستغفل أو يستهين بهذه الأمة، فهي تنهض من جديد، وهو يلعب بالنار، ولن يشاد هذا الدين أحدًا إلا غلبه، والله غالب على أمره، ولو كره البابا، ومن هم على شاكلته. إننا نطلب من قادة الغرب أيضًا سواء من مفكرين أو علماء دين أو ساسة أو مثقفين أن يكفوا شرورهم وألسنتهم عن أمتنا إن أرادوا لهذا العالم القليل الباقي من السلام والتعايش.. أما استثارة هذه الأمة بهذا الشكل المتكرر، فإن نتائجه ستكون وخيمة على الجميع، وأول من سيعاني منها هم من اختاروا الاستهزاء بنبي الأمة ورمز عزتها وطهارتها وحبها للسلام. يا قادة الغرب..أليس فيكم رجل رشيد؟!!

إنها حرب صليبة...هذا القول ليس مبالغة ولكن للأسف الشديد هذا ما نشهده كل يوم من تصرفات طائشة وهوجاء من جانب القيادات والرموز السياسية والدينية في الغرب المسيحي بدءا مما أعلنه بوش بعد أحداث سبتمبر عام 2001 وانتهاء بتصريحات بابا الفاتيكان التي كشفت وفضحت جهله بالإسلام ونبي الإسلام.

وعن هذه القضية كتب جمال بدوى في جريدة الوفد يقول"لا يمكن النظر إلى الإساءة التي صدرت من بابا الفاتيكان ضد الإسلام على أنها"زلة لسان"، كما قيل عن الإساءات التي صدرت عن الرئيس بوش أو غيره من الجهلة الذين يتهجمون على الإسلام في شكل طعنات مسمومة، أو رسوم منحطة، أو أحكام جائرة، فالبابا كان يلقى محاضرة، وكان أمامه فرصة للبحث الدقيق والمراجعة، وانتقاء الكلمات الموثوقة من مصادر موضوعية، وليس الاستناد إلى أقوال إمبراطور جهول من القرن الرابع عشر، كان عليه أن يدرس الإسلام بعمق قبل أن يطلق هذه السهام الطائشة التي صدرت في عصر التعصب والانغلاق (!!) ."

** من حق المسلمين في كل أنحاء العالم أن يغضبوا من أبو النصارى لأنه وصف الإسلام بالعنف وعدم العقلانية، وأن نبي الإسلام لم يجلب للعالم سوى المصائب، وأن الإسلام انتشر بالسيف. وكان يجب عليه أن يعود إلى مكتبة الفاتيكان، ويعكف على دراسة المؤلفات التي أصدرها علماء ومستشرقون عدول في شأن الإسلام وعقيدته ورسوله وتاريخه.

** سيجد أبوهم خرائط وأطالس للعالم القديم والحديث، وسوف يكتشف أن ثلاثة أرباع الدول الإسلامية دخلها الإسلام عن طريق القدوة الحسنة التي كان يمثلها علماء وفقهاء وتجار وصوفية، لم يحملوا سيفًا ولا صاروخًا، وإنما كانوا يحملون في صدورهم القرآن والحديث واجتهادات العلماء.. ولك أن تعرف أن الإسلام دخل شرقي آسيا وروسيا وجنوب الصحراء الأفريقية: بالكلمة الطيبة، والدعوة السلمية، وحرية الاعتقاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت