وهكذا فإن الذين دبَّجوا بيانات النعي المذكورة كشفوا عن طابع الزيف والاصطناع والمجاملة فيها عندما لم يكلفوا أنفسهم عناء محاولة وضع أي تقييم موضوعي لهذا البابا وأفكاره وأعماله، بل سارعوا إلى نقل وتكرار الدعاية عنه من تمجيد مسرف بين أبناء جلدته في الغرب، وهم محقون في تفاخرهم به، حتى إلى حد الغلو والمبالغة؛ لأنه خدم مصالحهم وأهدافهم بجانب مصالح كنيسته وديانته، لكن لا يحق للمسلمين الذين وقعت عليهم عواقب أفكار وسياسات البابا أن يصدروا أو تصدر باسمهم بيانات النعي تحمل تمجيد هذا البابا، وتصفه بأوصاف؛ بينما كانت أعماله ضد الإسلام هي على النقيض منها تمامًا. خذ من تلك الأوصاف مثلًا: الحديث عن البابا بوصفة رجلًا للسلام العالمي، والمحبة بين الشعوب؛ بينما كان البابا وكنيسته الفاعل الأساس والوحيد في فصل تيمور الشرقية في أكبر بلد إسلامي في العالم وهو إندونيسيا! ومن المحزن والمضحك في الوقت نفسه وفي آن واحد أن إندونيسيا وفي إطار حملة التزلف والتودد إلى الغرب، سارعت إلى الإعلان عن رغبتها في طرح اسم أحد الكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية بإندونيسيا ليكون هو خليفة البابا، ونسي المسؤولون هناك أن هذه الكنيسة هي التي قسمت بلادهم، وشجعت على الانفصال لأحد أغنى أقاليمها، وجيشت العالم ضدها، كما نسي المسؤولون هناك إن إندونيسيا ليست بلدًا نصرانيًا، وأن الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية كذلك، لم تنشأ هناك إلا في ركاب الاستعمار الهولندي، ومعه النفوذ الغربي؛ فهي ليست ظاهرة أصيلة في ذلك البلد، بل وافدة تحت ظروف أقل ما يقال فيها إنها ظروف القهر، واستغلال معاناة الشعوب. هذا هو نصيب البابا الراحل وكنيسته من ناحية العمل على السلام والمحبة، وبخاصة في العالم الإسلامي وهو رصيد يضاف إلى أعماله الأخرى المشهورة في زعزعة الأنظمة والحكومات الشيوعية في أوروبا الشرقية وصولًا إلى إسقاط الكتلة الشرقية أو السوفييتية، بما فتح الباب لضمها إلى الكتلة الغربية، ووضعها تحت السيطرة الاستعمارية الأمريكية، وأوجد معاناة إنسانية هائلة، وفتح الباب كذلك لقوى التعصب والإرهاب الصليبي لتعربد هناك، وتدمر الوجود الإسلامي في آسيا الوسطى وحتى البلقان، ويمتد نصيب وإسهام البابا في «دنيا السلام والمحبة» إلى قارة أمريكا الجنوبية والوسطى؛ حيث تمادى تيار الفكر المناصر لقضايا الشعوب في وجه النهب والسلب الاستعماري، وهو التيار الذي يعرف باسم (لاهوت التحرير) ، مما أدى إلى قيام أنظمة متسلطة قمعية عملت على ضرب الحركات الشعبية، وأفسحت المجال أمام النفوذ الأمريكي المباشر للدخول إلى تلك البلدان، وإخضاعها لصالح وغايات الولايات المتحدة.
ومن المفارقة أن هذا الضرب من جانب البابا لتيار لاهوت التحرير أدى إلى تدفق البعثات التنصيرية الأمريكية إلى بلدان أمريكا الجنوبية والوسطى؛ حيث أخذت تتعدى على أتباع الكنائس الأخرى لجذبهم إلى الطائفة الكاثوليكية، وذكرت أنباء في الإعلام الغربي في معرض تحليل وفاة البابا إلى أنه في السنوات العشر الأخيرة تمكنت تلك الجماعات، والكنائس التنصيرية الأمريكية والبروتستانتية في اجتذاب حوالي أربعة وعشرين مليون كاثوليكي إلى صفوفها.
أما عن الحوار النصراني الإسلامي الذي ذكرت بيانات النص في الجانب الإسلامي على أنه من مآثر البابا الراحل، وإنجازاته فهو كما أثبتت الأحداث لم يكن أكثر من مجرد تحرك دعائي هدفه وضع المسلمين موضع الدفاع والتراجع، وإلهاؤهم عن أي محاولة تصدٍّ لهذه الهجمة أو نشر عقيدتهم ودعوتهم. بل تجاوز الأمر هذا الحد حينما تحول هذا الحوار المزعوم إلى وسيلة لإدخال وفرض مفاهيم نصرانية كنسية على العقيدة الإسلامية، وتجنيد عدد من الداخلين إلى هذا الحوار من الطرف الإسلامي، ليصبحوا دعاة للصليبية في الوسط الإسلامي. وكان ملحوظًا أن هذه المجموعة بالذات من المنحازين إلى الطروحات الصليبية من أعلى الأصوات تباكيًا على البابا الراحل، وتذكيرًا بأمجاده المزعومة، ودعوة إلى مواصلة ذلك الحوار الذي استفادوا هم بالذات منه ماديًا ومعنويًا، ومما يؤسف له أن الفترة الماضية شهدت وفاة العديد من أعلام الفقه والفكر الإسلامي، ومنهم أئمة أعلام، ولكن لم يتحرك كثير من وسائل الإعلام المحلي ولا كثير من الحكومات ولا النخب إلى مجرد ذكر أخبار وفاتهم ولا نقل نعيهم أو التذكير بأمجادهم ومآثرهم العلمية، لكن هذه الأعمال كانت تصب في صالح الإسلام، وهو ما لا يحب أحد أن يذكره ولا تصب في صالح الصليبية الغربية التي يبدو أن الجميع الآن يعمل في خدمتها إلى حد المشاركة بأعلى أصوات النواح والعويل والبكاء في مآتمها.
(*) أستاذ الأدب الإنجليزي، كلية الآداب جامعة القاهرة.
قائلا: من أور ( الناصريّة ) إلى ( أور شليم ) وفي تكريت مسقط رأس صلاح الدين أُعلن انتصار حرب بوش الصليبية ..
حامد بن عبد الله العلي
خاطرة:
كان البابا عندما زار العراق قد أطلق على رحلته عبارة لم تكن عابرة لمن يفهم مغزاها .. قال: «مشيًا على الأقدام من أور إلى أورشليم» ، و (أور) هي الناصرية، التي عقد فيها اجتماع (الكرزايات) التي سيحكم الصهاينة العراق عبرهم.
وتعمدت أمريكا أن يكون إعلان النصر في تكريت، وتكريت تحتضن القلعة التي فيها مسقط رأس صلاح الدين الأيوبي، قاهر الصليبيين، والصهاينة يعتقدون أن إبراهيم - عليه السلام -، سار من أور (الناصريّة) جنوب العراق، إلى الأرض المقدسة، ثم إلى مصر، وأن أرضه التي وطأتها قدمه، ستكون لهم بوعد إلهي، من الفرات إلى النيل، ويعتقد الصليبيون المتصهينون عصابة بوش أن السماء هي التي تقودهم ليحققوا حلم اسرائيل، لأن بذلك فحسب يحصل نزول المسيح، هل عرفنا الآن الدلالات التوراتية لهذه الحرب الصليبية؟
خاطرة:
ثلاثة طواغيت في العالم، يريد سدنة البيت الأبيض وكهّانه، وحاخامات تل أبيت أن يُعبِّدوا لها الخلق.
الأول: الحضارة الغربية المادية الصليبية المتحالفة مع الصهيونية.
الثاني: الشرعة الطاغوتية الدولية المتمثلة في مواثيق الأمم المتحدة.
الثالث: الحدود السياسية الزائفة التي هي تركة الاحتلال الصليبي السابق للدول الإسلامية، فقد تحولت إلى طواغيت معبودة، تقدم على شريعة الله الآمرة بموالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين، فصار المؤمنون بهذا الطاغوت العصري (الحدود السياسية) يوالون ويعادون، ويصلون ويقطعون، ويحبون ويبغضون، على أساس العلاقة بهذا الطاغوت والموقف منه، وبعضهم مع ذلك يشهدون الشهادتين، لكنهم لتلك الطواغيت، راكعون ساجدون، ملكت عليهم قلوبهم، فاتخذوها أربابا من دون الله - تعالى -، وهم بصنيعهم هذا عابدون لغير الله - تعالى -، كفار مرتدون.
وهذه الطواغيت الثلاثة هي: (اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) لهذا العصر، وهي الأصنام العصرية التي تعبد من دون الله - تعالى -، وما هي إلا أسماء سمَّوها زورا، ما نزّل الله بها من سلطان، وهي زيف كبير باطل من صنع الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله - تعالى -، وهي الجاهلية الأخرى بعينها واسمها، ورسمها، لاتعدوها طرفة عين.
ومن آمن بها فقد كفر الله - تعالى -، ومن آمن بالله - تعالى -وشريعته فلا يصح إيمانه حتى يكفر بهذه الطواغيت جميعا، ولا يكفي أن يكفر بها حتى يتبرأ من المؤمنين بها أيضا.