فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 321

وكانت الكنيسة الكاثوليكية قد طلبت في رسالة طلب الغفران والندم التي تلاها البابا بولس الثاني الغفران بشكل عام عن أخطاء الكنيسة وأتباعها دون أن تشير بالنص إلى الحروب الصليبية وعواقبها السلبية على المسلمين، الأمر الذي شجع الأزهر عبر جلسات حوار الأديان التي تجري بشكل دوري مع الفاتيكان على طلب أن يمتد الغفران للمسلمين عما أصابهم أثناء الحروب الصليبية.

ولما مضت خمسة أعوام دون أن يقدم الفاتيكان أي اعتذار؛ عاد الأزهر للتقدم بطلب ثان إلى الفاتيكان بتقديم اعتذار رسمي في 24 فبراير 2005م الماضي عن الحروب الصليبية، أسوة باعتذارات الفاتيكان لليهود، وباقي الطوائف المسيحية عن ممارسات العصور الوسطي.

ولا شك أن تعامل الفاتيكان مع هذه القضية المتعلقة باستمرار الحوار مع العالم الإسلامي يتعلق الآن بشخصية البابا الجديد، وهل سيكون من المعتدلين الراغبين في وضع يدهم مع العالم الإسلامي لمحاربة الإباحية والانحلال والإلحاد، أم من الجناح المحسوب على ما يسمى (المسيحية الصهيونية) القريب في فكره من التيار المسيحي الأصولي المحافظ في أمريكا، ما يعني دخوله في عداء وتنافس مع الإسلام؟!

فليس سرًا أن أحد التحديات الخطيرة التي ستواجه البابا الجديد - وفق دراسة لمجلة فورين بولسي فبراير 2004م عبارة عن رسالة وجهها سكوت أبليبي"Scott Appleby (أستاذ التاريخ بجامعة نوتردام الأمريكية) إلى مجمع كرادلة الفاتيكان، الذي تقع عليه مسؤولية انتخاب رئيس الكنيسة الكاثوليكية - هو ما يسمونه (تحدي الإسلام) ."

والمقصود هنا على ما يبدو أن الانتشار المستمر للإسلام كديانة كبرى أصبح يشكل تحدٍ للكنيسة الكاثوليكية الغربية ومستقبلها، ما يتطلب نوعًا من المنافسة لجذب الأتباع، إلا أن الدراسة تنصح مع ذلك بالبحث عن نقاط الالتقاء بين الكنيسة والبابا الجديد من جهة، والإسلام من جهة ثانية، وتشكيل تحالف لمواجهة موجة الإلحاد والمادية التي طغت على العالم.

ولكن المشكلة أن أسماء الكرادلة المرشحون لتولي منصب البابا الجديد حتى الآن هم من الأجنحة المتطرفة في الغرب التي تعادي الإسلام، أو من الكرادلة غير الأوروبيين ممن يسعون لمنافسة مع الإسلام في قاراتهم (خصوصًا أفريقيا) .

فأحد أبرز المرشحين للمنصب هو أسقف وكاردينال بولونيا في إيطاليا (جياكومو بيففي) المعروف بخلافه مع الكنيسة بسبب إقرارها بمسئوليتها عن أخطائها التاريخية، وبانتقاده الحوار بين الأديان، وفي حال ترشحه فسوف يدعم هذا الأصوليين والمتطرفين داخل الكنيسة والحركات التابعة لها مثل تلك المعروفة باسم"خلائق الله"، وهي إحدى المؤسسات شبه السرية في حاضرة الفاتيكان.

وهناك أيضًا الكاردينال الأفريقي ( النيجيري فرنسيس ارينزي) الذي قد يؤدي فوزه للسعي للتركيز مستقبلًا على التبشير في أوساط المسلمين في أفريقيا التي تقول إحصاءات الكنيسة: إن عدد مسيحييها زادوا من 50 مليون إلى 90 مليون في عدة سنوات!!

وفي حالة فضل كرادلة الكنيسة اختيار بابا جديد يجمع بين العلم الديني والعلم الدنيوي، ولا يصطدم بالعلم الحديث؛ فسوف يختارون أسقف تيجوسيجاليا في هندوراس فهو حائز على دكتوراه في اللاهوت الأخلاقي ودكتوراه في الفلسفة، وأستاذ في الفيزياء والرياضيات والعلوم الطبيعية والكيمياء.

والخلاصة أن البابا المقبل على رأس الكنيسة الكاثوليكية يواجه جملة تحديات مع الإسلام قد تختلف أو تتفق معه بحسب معتقدات وأفكار البابا الجديد، بمعنى أنه لو كان البابا الجديد أكثر تسامحًا وقبولًا للإسلام فسوف يتعاون معه لصالح هزيمة العلمانية والإلحاد، ويقدم الاعتذار الذي سبق أن طالب به المسلمون عن الحروب الصليبية مثلما اعتذر البابا الراحل لليهود، وعلى العكس لو كان معاديا - مثل: كاردينال مدينة بولونيا الإيطالية"جاكومو بيففي - فسوف ينقلب الأمر إلى صراع بين الإسلام والمسيحية، والى حرب صليبية جديدة تباركها الكنيسة بعدما بدأتها قوي غربية بالفعل في واشنطن وأوروبا عقب تفجيرات 11 سبتمبر 2001 م، وأعلن بوش عن حملة صليبية!"

ويثور سؤال آخر عن احتمال فوز كردينال كاثوليكي عربي بمنصب البابا - رغم أنه شبه مستبعد - وهل هذا ممكن أم لا؟ خصوصًا أن هناك ثلاثة كرادلة عرب في مجمع الكرادلة، وهم: مار نصر الله صفير بطريرك الموارنة في لبنان، والكاردينال أسطفانوس الثاني غطاس بطريرك الأقباط الكاثوليك في مصر، والكاردينال أغناطيوس موسى داود بطريرك السريان الكاثوليك سابقًا، ورئيس مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان؟

المصدر: http://www.almoslim.net/figh_wagi3/show_report_main.cfm?id=585

طارق ديلواني

25/2/1426هـ الموافق له 4/4/2005م

لم ينشغل العالم بأحد من باباوات روما في العصور الحديثة قدر انشغالهم بالبابا الحالي يوحنا بولس الثاني، فالبابا البولندي الأصل، الأول من غير الإيطاليين الذي يتولى رئاسة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية منذ قرابة أربع عقود، والأصغر سنًا يوم تنصيبه (كان في الثامنة والخمسين) .

إلا أن وفاة هذا الرمز المسيحي تطرح تساؤلات حول المستقبل والماضي الكنسي الذي يمثله الفاتيكان وشخصية البابا.

في الموقف تجاه المسلمين ينبغي الإشارة بداية إلى جملة من المفاتيح والمؤشرات، من بينها أن بعض المرشحين لخلافة البابا لديهم مواقف يمكن وصفها بالسلبية تجاه العالم الإسلامي، والمؤكد أن عددًا من القضايا العربية والإسلامية ستوضع كملفات ساخنة أمام البابا القادم، ولعل أهمها مدى تأثر حاضرة الفاتيكان بالنزعة المسيحية العنصرية التي تجلت في الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات العشرة الأخيرة، فيما عرف باسم اليمين المسيحي المتصهين.

ومن بين تلك الملفات أيضًا قضية الاعتذار المباشر من حاضرة الفاتيكان ومن البابا الجديد للعالم العربي والإسلامي عن فترة الحروب الصليبية، خاصة في ظل ما جرى من اعتذار مماثل لليهود عن إساءة معاملتهم عبر التاريخ، فهل سيعتذر لهؤلاء كما اعتذر لأولئك؟.

والحقيقة أن البابا يوحنا بولس الثاني كان له توجه ومواقف تقدمية بخصوص القضايا العربية عمومًا من قبيل تصريحه الأخير"الحاجة إلى جسور لا جدران"، الذي انتقد فيه بناء إسرائيل الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية.

ربع قرن من تاريخ سيادة البابا الراحل على الفاتيكان قام خلالها بحوالي مئة رحلة دولية، وأصدر حوالي اثنتي عشرة رسالة بابوية، وألقى العديد من الخطب، والتقى بالكثير من الشخصيات، كل ذلك في حقبة من التاريخ شهدت هيمنة أمريكية سياسية، وتوجه الاقتصاد العالمي نحو"النيو - ليبرالية".

والقول بأن البابا رفض قبضة النظام العالمي المهيمن والجموح والشطط الأمريكيين صحيح تمامًا، لكن لـ"البابا"مواقف سياسية عديدة اتصفت معظمها بالاعتدال والتناقض أحيانًا.

فقد سبق أن التقى في الفاتيكان مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، حيث واجه انتقادات شديدة اللهجة من إسرائيل، وفي يناير/كانون الثاني 1984 أعاد الفاتيكان علاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، والتي كانت قد قطعت في العام 1867م، وقام بأول زيارة من نوعها لبابا إلى كنيس يهودي في روما، كما كان أول بابا يلتقي زعيمًا سوفيتيًا عندما التقى الرئيس ميخائيل غورباتشوف في الفاتيكان في ديسمبر/ كانون الأول 1989م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت