فهذه ثلاث آيات في القرآن تبين أنه قال له"كن"فكان، وهذا تفسير كونه (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) ، وقال: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فأخبر أنه ابن مريم وأخبر أنه"وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين"، وهذه كلها صفة مخلوق والله تعالى وكلامه الذي هو صفته لا يقال فيه شيء من ذلك، وقال تعالى على لسان مريم: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ فتبين أن الكلمة هي ولد مريم لا ولد الله سبحانه وتعالى.
فمع هذا البيان الواضح الجلي، هل يظن ظان أن مراده سبحانه بقوله (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) أنه إله خالق، أو أنه صفة لله قائمة به، وأن قوله (وَرُوحٌ مِنْهُ) المراد به: أنه حياته أو روح منفصلة من ذاته؟ بل قوله تعالى (وَرُوحٌ مِنْهُ) معناه أي روح مخلوقة من جملة الأرواح، ولا إشكال في قوله (مِنْهُ) فإن المراد أن أمر الخلق كله راجع إلى الله ومبتدأ منه، وذلك كقوله سبحانه: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13] .
وإذا كان النصارى يستشهدون بآيات القرآن على ما يعتقدون، فإن عليهم أن يستشهدوا بجميع نصوص القرآن الواردة في الموضوع، فلا يقتصرون على جملة هنا أو جملة هناك، فهذا لا يفعله منصف، فالتعبيرات القرآنية عن المسيح بأنه كلمة الله أو روح من الله، لا بد أن تفهم على ضوء الآيات الأخرى التي تنفي ألوهية المسيح وبنوته، وتكفر من يقول بهما، والتي تثبت براءة المسيح ممن يؤلهه أو يؤله أمه، والتي تثبت كذلك اعترافه ببشريته ولكنهم لا يفعلون ذلك لئلا يظهر بطلان استشهادهم على عقيدتهم الزائفة بآيات القرآن من جهة، وبطلان عقيدتهم نفسها من جهة أخرى.
وليكن معلومًا أن القرآن حكم على النصارى بالكفر لعدة أمور، كل منها شافٍ كافٍ في تكفيرهم:
-ادعاؤهم أن المسيح هو الله أو ابن الله وأن الروح القدس إله، فهم يعبدون في الحقيقة ثلاثة آلهة وقد تقدم بيان ذلك.
-تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا* أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء:150-151] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [النساء:47] ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار.
-اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31] .
وفي معجم الطبراني وغيره أن عدي بن حاتم وكان نصرانيًا فأسلم لما سمع النبي يقرأ الآية المتقدمة قال له: إنا لا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه، قال: بلى، قال صلى الله عليه وسلم: فتلك عبادتهم.
والثابت من التتبع التاريخي لأطوار العقيدة النصرانية، أن عقيدة التثليث، وكذلك عقيدة بنوة المسيح لله -سبحانه- ومثلها عقيدة ألوهية أمه مريم، ودخولها في التثليثات المتعددة الأشكال ونحو ذلك من الانحرافات، كلها لم تصاحب النصرانية الأولى، إنما دخلت إليها على فترات متفاوتة التاريخ، مع الوثنيين الذي دخلوا في النصرانية، وهم لم يبرأوا بعد من التصورات الوثنية والآلهة المتعددة، وتتبع نقض ما في هذه الدراسة يطول وفيما ذكرناه -إن شاء الله- ما يتنبه به إلى بطلانها، وللفائدة انظر الفتوى رقم: 10326 ، والفتوى رقم: 8210 ، كما ترجى مراجعة هذا الموقع:
المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه
فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 5 / ص 3991)
رقم الفتوى 33974
تاريخ الفتوى: 28 ربيع الثاني 1424
السؤال
هل صحيح في زماننا هذا من يجمع الدينين الإسلام والمسيحية السمحة بسبب نزول عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان؟ وجزاكم الله خيرًا.
الفتوى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإذا كان المقصود بالجمع بين الدينين (الإسلام والمسيحية) هو ما يروج له اليوم باسم وحدة الأديان، أي خلطها ومزجها بحيث تصير دينًا واحدًا يضم عقيدة الإسلام والمسيحية واليهودية.
فإن هذا كفر واضح وردة صريحة فإنه لا يصح إسلام المسلم إلا بإقراره بالتوحيد وكفره بالشرك والطاغوت، كما قال عز وجل: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ [البقرة:256] .
فكيف يجمع بين التوحيد والشرك وكيف يجمع بين عقيدة لا إله إلا الله وعقيدة الله ثالث ثلاثة.
وإن كان المقصود هو حوار الأديان والمجادلة بالتي هي أحسن فلا مانع منه، والله تعالى يقول: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46] .
وقال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران:64] .
وأما نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام في آخر عمر الدنيا فحق، ولكه ينزل ليحكم بالإسلام لا بالمسيحية ولا باليهودية، فالإسلام هو دين الرسل جميعًا ولا يقبل الله غيره، وبه يحكم عيسى بن مريم عند نزوله، وفي الحديث الصحيح: والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية. رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر: قوله يكسر الصليب ويقتل الخنزير، أي يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه.
والله أعلم.
المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه
فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 8 / ص 3852)
رقم الفتوى 54711
تاريخ الفتوى: 03 رمضان 1425
السؤال
ما الدليل على أن الدين الإسلامي هو الدين الصحيح وليست المسيحية أو اليهودية؟
الفتوى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: