أما المصالحة بين البشر فيقول القس مارتي إنها موجودة في الكتاب المقدس فمثلًا يقول عيسى في موعظته على الجبل: إذا كنت جئت بقربانك عند المذبح ، وفي صدرك أن أخاك يكرهك ، فاترك قربانك واذهب ، وصالح أخاك أولًا ، ثم ارجع ، وقدّم قربانك . ثم يقول ليس البابا يوحنا بولس الثاني أول من سعى إلى المصالحة على أساس دجيني ، فالحركة البروتستانتية الأرثوذكسية الرسمية تحاول منذ مائة سنة مصالحة الأجنحة المتصارعة في النصرانية ، وكذلك أبدى البابا جون الثالث والعشرون من قبل مشاعر المصالحة تجاه النصارى الآخرين ، وتجاه اليهود. وفي الخريف الماضي قطع الفاتيكان مع الاتحاد العالمي اللوثري البروتستانتي شوطًا في المصالحة والتقارب ، وإن كان الطريق لا يزال طويلًا . كما ان اعتذار البابا الأخير لليهود من غير التعرض لجرائم النازية يثبت أن المصالحة لا تزال في أول الطريق . كما ان المصالحة بين الكاثوليك والمسلمين تخطو خطواتها الأولى وأخيرًا ينادي القس أصحاب الأديان السماوية بالرجوع إلى أصل عقائدهم لدفع عجلة التحرك نحو السلام والمصالحة . ويضر المثال بالمجتمع الأمريكي الذي يعيش فيه المسلمون ذوو الأعداد المتنامية مع اليهود ذوي الأقلية ذات النفوذ الواسع ، مع الأغلبية المسيحية حيث يتعامل الجميع بحرية . ثم يقول إن المصالحة تعني التخلص من الحرب ومن الرغبة في التفوق ، والسعي للانتقام ، وتطويل أمد العداوة .
هذا الكلام الذي نقلناه باختصار يجعلنا نطرح سؤالين: لماذا الصراع ؟ وكيف المصالحة ؟ وللجواب عن السؤال الأول نقول إن الصراع هنا قائم على الاختلاف بين البشر في أصل العقيدة. وعندما تصل الاعتقادات إلى حد التناقض فلا بد أن تكون إحدى العقائد حقًا مطلقًا وغيرها باطلًا . وإذا أردنا التوفيق بين هذه العقائد كنا كمن يجمع المشرق والمغرب معًا ، أو كمن يقول إن الشيء موجود وغير موجود في الوقت نفسه . وهذا بالضبط كمن يريد الجمع بين الاعتقاد بأن عيسى عليه السلم عبد من عباد الله تعالى خلق بمعجزة ليست بأعظم من معجزة خلق أبيه آدم عليه السلام ، وبين الاعتقاد بأن عيسى ابن الله . إذ كيف يتخذ الرحمن ولدًا ؟ ولماذا ؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا .
وكذا الحال في الجمع بين الاعتقاد في أن عيسى صلب والاعتقاد بأنه لم يصلب . فهل الله تعالى لا يقدر على أن ينجي عيسى من أعدائه كما نجى موسى عليه السلام ومن قبله إبراهيم ومن قبلهما نوحًا ؟ الله تعالى يقول: ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) ويقول كذلك: ( بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا ) . (سورة النساء: 157) .
وما أبعد البون بين اعتقاد النصارى ذاته في كون عيسى إليهًا ، وبين اعتقادهم في أنه صُلِبْ . ولله درّ ابن القيم القائل:
عجبًا للمسيح بين النصارى وإلى أيّ أب نسبوه
أسلموه لليهود وقالوا إنهم بعد قتله صلبوه
فإن كان ما يقولون حقًّا وصحيحًا فأين كان أبوه ؟
حين خلّى ابنه للأعادي أتراهم أرضوه أم أغضبوه ؟
أما كيف تكون المصالحة بين الأديان ؟ فإما أن تكون بالاجتماع على عقيدة واحدة ، وهذا ما ينادي به الإسلام: ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئًا ، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله ، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنّا مسلمون ) . (آل عمران: 64) ومع ذلك فالإسلام قد فسح المجال لأهل الديانات الأخرى ، ولم يشهد التاريخ تسامحًا دينيًا كالذي مارسه الإسلام تجاه أهل الأديان المخالفة . ولكنه مع ذلك جلّى الخلاف بينه وبينهم ، وأنذرهم عاقبة شركهم وإعراضهم عن الحق ، لأنه الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا دين جميع الأنبياء والمرسلين ، من لدن آدم حتى عيسى عليهما السلام ، وبيّنن لهم أن الذي يدينون به دين محرّف ، بدليل اختلافهم فيه فيما بينهم .
هذا باختصار هو ما يقدمه الإسلام لأهل الأديان الأخرى ، فهل هو نفس ما يريده هؤلاء ؟ أغلب الظن أنهم يريدون مصالحة قائمة على التنازلات . وهذا ما لا بد أن نحذره ، لأن الله تعالى يقول: ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم ) . إن التقريب بين الحق والباطل مبدأ خداع، لأنه يعني منتصف الطريق بينهما . وهذا لا يكون إلا بخسارة الحق ، وفقدانه مساحة من أرضه . ولذا لا بد أن نتذكر قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: [ فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم ] . (الزخرف: 43) .
الجمعة:04/05/2001
(الشبكة الإسلامية) الفاتيكان- وكالات