ثم أخبر تعالى عن ما همت به هذه الطائفة الخبيثة، وإرادة المكر بالمؤمنين، فقال { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره } أي: ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه { لعلهم يرجعون } عن دينهم، فيقولون لو كان صحيحا لما خرج منه أهل العلم والكتاب، هذا الذي أرادوه عجبا بأنفهسم وظنا أن الناس سيحسنون ظنهم بهم ويتابعونهم على ما يقولونه ويفعلونه، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
{ و } قال بعضهم لبعض { لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } أي: لا تثقوا ولا تطمئنوا ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، واكتموا (1) أمركم، فإنكم إذا أخبرتم غيركم وغير من هو على دينكم حصل لهم من العلم ما حصل لكم فصاروا مثلكم، أو حاجوكم عند ربكم وشهدوا عليكم أنها قامت عليكم الحجة وتبين لكم الهدى فلم تتبعوه، فالحاصل أنهم جعلوا عدم إخبار المؤمنين بما معهم من العلم قاطعا عنهم العلم، لأن العلم بزعمهم لا يكون إلا عندهم وموجبا للحجة عليهم، فرد الله عليهم بأن { الهدى هدى الله } فمادة الهدى من الله تعالى لكل من اهتدى، فإن الهدى إما علم الحق، أو إيثارة، ولا علم إلا ما جاءت به رسل الله، ولا موفق إلا من وفقه الله، وأهل الكتاب لم يؤتوا من العلم إلا قليلا وأما التوفيق فقد انقطع حظهم منه لخبث نياتهم وسوء مقاصدهم، وأما هذه الأمة فقد حصل لهم ولله الحمد من هداية الله من العلوم والمعارف مع العمل بذلك ما فاقوا به وبرزوا على كل أحد، فكانوا هم الهداة الذين يهدون بأمر الله، وهذا من فضل الله عليها وإحسانه العظيم، فلهذا قال تعالى { قل إن الفضل بيد الله } أي: الله هو الذي يحسن على عباده بأنواع الإحسان { يؤتيه من يشاء } ممن أتى بأسبابه { والله واسع } الفضل كثير الإحسان { عليم } بمن يصلح للإحسان فيعطيه، ومن لا يستحقه فيحرمه إياه.
{ يختص برحمته من يشاء } أي: برحمته المطلقة التي تكون في الدنيا متصلة بالآخرة وهي نعمة الدين ومتمماته { والله ذو الفضل العظيم } الذي لا يصفه الواصفون ولا يخطر بقلب بشر، بل وصل فضله وإحسانه إلى ما وصل إليه علمه، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما.
قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) سورة آل عمران
قال الرازي:
إعلم أن في كيفية النظم وجهين الأول: وهو الأوفق: أنه تعالى لما أورد الدلائل على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام مما ورد في التوراة والإنجيل من البشارة بمقدمه ، ثم ذكر عقيب ذلك شبهات القوم .
فالشبهة الأولى: ما يتعلق بإنكار النسخ .
وأجاب عنها بقوله { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ } [ آل عمران: 93 ] .
والشبهة الثانية: ما يتعلق بالكعبة ووجوب استقبالها في الصلاة ووجوب حجها .
وأجاب عنها بقوله { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } [ آل عمران: 96 ] إلى آخرها ، فعند هذا تمت وظيفة الاستدلال وكمل الجواب عن شبهات أرباب الضلال ، فعند ذلك خاطبهم بالكلام اللين وقال: { لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله } بعد ظهور البينات وزوال الشبهات ، وهذا هو الغاية القصوى في ترتيب الكلام وحسن نظمه .
الوجه الثاني: وهو أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة ووجوب الحج ، والقوم كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق والملة الصحيحة قال لهم: { لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ الله } بعد أن علمتم كونها حقة صحيحة .
واعلم أن المبطل إما أن يكون ضالًا فقط ، وإما أن يكون مع كونه ضالًا يكون مضلًا ، والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعًا فبدأ تعالى بالإنكار عليهم في الصفة الأولى على سبيل الرفق واللطف .
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قوله { ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَاتِ الله } واختلفوا فيمن المراد بأهل الكتاب ، فقال الحسن: هم علماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوته ، واستدل عليه بقوله { وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } وقال بعضهم: بل المراد كل أهل الكتاب لأنهم وإن لم يعلموا فالحجة قائمة عليهم فكأنهم بترك الاستدلال والعدول إلى التقليد بمنزلة من علم ثم أنكر .
فإن قيل: ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟ .
قلنا لوجهين: الأول: أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم أجاب عن شبههم في ذلك ، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال: { يا أَهْل الكتاب } فهذا الترتيب الصحيح الثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوّة ، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته .
المسألة الثانية: قالت المعتزلة في قوله تعالى: { لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ الله } دلالة على أن الكفر من قبلهم حتى يصح هذا التوبيخ وكذلك لا يصح توبيخهم على طولهم وصحتهم ومرضهم .
والجواب عنه: المعارضة بالعلم والداعي .
المسألة الثالثة: المراد { مِنْ آيات الله } الآيات التي نصبها الله تعالى على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، والمراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام .
ثم قال: { والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } الواو للحال والمعنى: لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، والحال أن الله شهيد على أعمالكم ومجازيكم عليها وهذه الحال توجب أن لا تجترؤا على الكفر بآياته .
ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في إضلالهم لضعفة المسلمين فقال: { قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءَامَنَ } قال الفرّاء: يقال صددته أصده صدًا وأصددته إصدادًا ، وقرأ الحسن { تَصُدُّونَ } بضم التاء من أصده ، قال المفسرون: وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته صلى الله عليه وسلم في كتابهم .
ثم قال: { تَبْغُونَهَا عِوَجًا } العوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى ، وهو الدين والقول ، فأما الشيء الذي يرى فيقال فيه: عوج بفتح العين كالحائط والقناة والشجرة ، قال ابن الأنباري: البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك: بغيت المال والأجر والثواب وأُريد ههنا: تبغون لها عوجًا ، ثم أسقطت اللام كما قالوا: وهبتك درهمًا أي وهبت لك درهمًا ، ومثله صدت لك ظبيًا وأنشد:
فتولى غلامهم ثم نادى ... أظليما أصيدكم أم حمارًا