فقد أصدرت اللجنة الدائمة للحوار بين الأديان بالأزهر الشريف بيانًا في أكتوبر 2000 أدانت فيه مذابح القدس الشريف والمدن الفلسطينية على يد الجيش الإسرائيلي، ودعت الفاتيكان لإصدار بيان يدين فيه إسرائيل بوضوح بسبب المجازر التي تجري هناك.
ووجهت لجنة الحوار بالأزهر حينئذ - كما يقول الشيخ فوزي الزفزاف - رسالة إلى المجلس البابوي للحوار بالفاتيكان تطالبه بموقف صريح منه تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، وإصدار إدانة رسمية لهذه المأساة وذلك طبقًا لاتفاقية الحوار والموقعة بين المجلس البابوي للحوار بالفاتيكان، ولجنة الحوار بالأزهر في مايو 1998م.
وجاء في نص الرسالة:"إلى الكاردينان أرينز رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان نفيد سيادتكم أن اللجنة الدائمة للأزهر الشريف للحوار بين الأديان السماوية أصدرت بيانًا تدين فيه القتل والاعتداء على الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني من جانب السلطات الإسرائيلية، واللجنة تتوجه إلى مجلسكم الموقر لمطالبته بموقف صريح منكم أمام هذه الاعتداءات، كما أن اللجنة ترى أن هذا الموضوع ليس سياسيًا ولكنه إنساني بحت، ويأتي من صلب تعاليم الأديان السماوية التي تطالبنا بالتصدي للظلم وقتل الأبرياء، ونوضح لسيادتكم أن مطالبتنا لكم بإعلان موقف صريح من هذا الموضوع هو من واقع البند السادس من الاتفاق بين المجلس البابوي للحوار بين الأديان الفاتيكان وبين اللجنة الدائمة للأزهر الشريف للحوار بين الأديان السماوية الذي ينص على تشجيع تبادل الرأي حول موضوعات ذات اهتمام مشترك كالدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه، ونحن هنا أمام حالة انتهاك صريح لكرامة الإنسان وحقوقه، وقد وجهت اللجنة الدائمة للحوار بالأزهر الشريف دعوة للمؤسسات الرسمية الإسلامية المكلفة بالحوار بين الأديان إلى التشاور فيما بينها من أجل موقف موحد معلن تطالب فيه بالتنسيق مع المؤسسات الدينية المسيحية المرتبطة باتفاقيات تعاون من أجل تأكيد موقف الأديان من الاعتداء الغاشم في فلسطين وقتل الأبرياء."
وكانت هذه تعتبر أول وثيقة رسمية تقدم من جهة إسلامية للفاتيكان تطالبه فيها بالاعتذار عن الحروب الصليبية؛ لأن الحروب الصليبية وقعت بها تجاوزات من الصليبيين ضد المسلمين، ومع هذا فقد ألمحت لجنة الحوار في الفاتيكان - خلال الحوارات - أنها لا تملك القرار، وأخذت الطلب، وسُجّل في محضر رسمي، وقالت: إنها سترفع هذا الطلب إلى الجهة المختصة بالفاتيكان.
وقد عاد عدد كبير من علماء الأزهر في يناير 2001 ليطالبوا الفاتيكان بالرد على الطلب الذي تقدم به الأزهر منذ ما يقرب من عام للاعتذار عن الحرب الصليبية التي شنها الغرب على الدول الإسلامية في العصور الوسطى،. وتساءل العلماء عن جدوى الحوار طالما أن الفاتيكان لا يريد الاعتذار عن أخطاء الماضي، معربين عن أسفهم الشديد لاقتصار عمل لجنة الحوار بين الأزهر والفاتيكان على الزيارات المتبادلة بين القاهرة وروما، وعقد الاتفاقيات التي لا تخرج عن الحجرات المغلقة، بينما يظل الفاتيكان يرسل بعثاته لتنصير أبناء المسلمين في بقاع شتى!
وقالوا أنه عندما قام بابا روما بزيارة مصر رفض أن يعتذر للمسلمين عن الحروب الصليبية، بينما اعتذر قبل ذلك بسنوات طويلة لليهود، وكلمته في الأزهر كانت غامضة حيث قال:"إن الإسلام نهض بالعالم العربي وأفريقيا"، ونسي أن الإسلام نهض بأوروبا نفسها، وأن النهضة الأوروبية التي قامت على أنقاض الكنيسة إنما كانت نهضة إسلامية.
وقد حرص عدد من علماء الأزهر على إصدار بيان بمناسبة زيارة البابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان للأزهر الشريف يوم الثامن عشر من شهر ذي القعدة من العام الهجري (1420) الموافق 24/2/2000م ضمن زيارته لمصر باعتبارها أول مرة في التاريخ يقوم فيها بابا الفاتيكان بزيارة الأزهر الشريف على مدى تاريخ بابوية روما لطائفة"الكوثوليك".
فهل بعد الإصرار الواضح من بابا روما على رفض الاعتذار، أو تغيير كلامه في الخطاب الذي سبق وألقاه في الجامعة الألمانية على موقع الفاتيكان على الانترنت، ورفضهم سابقًا الاعتذار عن الحروب الصليبية؛ سوف يستمر الحوار بنفس الوتيرة أم يتجمد؟ وهل التجميد مؤقت لحين نسيان الإساءات البابوية، ثم العودة مرة أخرى أم أن الأمر يتطلب - كما يقول علماء - حاجة ملحة لإعادة وضع أسس جديدة لهذا الحوار، والغرض منه، وجدواه وضمان فعاليته في منع أي إساءة للإسلام مرة أخرى؟
http://www.almoslim.net:المصدر
د. باسم خفاجي
نقلت قناة البي بي سي BCC عبر موقعها الإلكتروني البيان الذي أصدره البابا بينديكيت السادس عشر، والذي يقول فيه:"إن البابا المقدس"حزين جدًا"أن بعض فقرات خطابه قد بدت وكأنها تهاجم مشاعر المسلمين". وأعقب قائلًا:"أنه يحترم الإسلام ويأمل أن يتفهم المسلمون المعنى الحقيقي لكلماته". لم يعتذر البابا، وإنما اتهمنا نحن بقلة الفهم، بل ويطالبنا أن نقبل بما قال، وذكر أنه يحترم الإسلام، ولكنه بالمقابل لم يذكر نبي الإسلام، أو يعتذر عما قاله في حقه - صلى الله عليه وسلم -، بل تعمد تجاهل أهانته للنبي بكلماته الجارحة على مسمع من العالم أجمع، فأين هو الاعتذار؟
إن البابا يقول إنه"حزين جدا"ً أن عباراته بدت وكأنها هجومية، ولكنه لم يعتذر عن هذه العبارات، أو يشرح لنا كيف يمكن ألا تكون هجومية.. هو فقط حزين جدًا لما حدث.. فأين الاعتذار.. ومن قال أننا في هذا المقام - نهتم لمشاعره، أو نعيرها أدنى اهتمام. إن البابا يستخدم حيل الإعلام المعروفة في التهرب من مواجهة النفس، أو مواجهة من أساء إليهم بطرق إعلامية ملتوية وعبارات فضفاضة، ولا يليق برجل دين في مكانته وقدره لمن يعتنقون دينه أن يفعل ذلك. إن كان قد اخطأ في وصف نبي الأمة الإسلامية بأنه لا يأت إلا بالشر، فلماذا لم يعتذر عن ذلك بوضوح. إننا لسنا وحدنا من يطالبه بذلك، بل حتى وسائل الإعلام الغربية تدرك خطورة ما قال.
لقد كتبت صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحية عدد يوم السبت 16 سبتمبر 2006م مطالبة البابا باعتذار وصفته بأنه يجب أن يكون"عميقًا ومقنعا"وعقبت قائلة في نفس الافتتاحية:"إن العالم يستمع باهتمام لكلمات أي بابا.. وإنه من الخطير والمؤلم أن ينشر أحد ما الألم سواء عامدًاَ أو غير مكترثًا.. إن البابا بحاجة إلى أن يقدم اعتذارًا عميقًا ومقنعًا ليبين أن الكلمات يمكن أيضا أن تشفي الجراح". فإن كان هذا هو رأي بعض وسائل الإعلام الغربية، فكيف برأينا نحن من جرح بهذه الإهانة، والتي أعقبتها إهانة استغفالنا.. واتهامنا بعدم تقدير فهم هذه الأمة لعباراته. إنه يعالج الإهانة الأولى التي جرحت كرامة كل مسلم.. بإهانة ثانية تفترض في كل المسلمين الغباء أيضًا.