وقالوا في حق الأذان: لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم . فمن أين لك صياح مثل صياح العير؟ فما أقبحه من صوت ، وما أسمحه من أمر .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُوًا وَلَعِبًا } قال: كان رجل من النصارى بالمدينة ، إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدا رسول الله . قال: حرف الكاذب . فدخل خادمه ليلا من الليالي بنار ، وهو نائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فأحرقت البيت . فاحترق هو وأهله .
وقيل: كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس منها .
أي: وإذا ناديتم - أيها المؤمنون - بعضكم بعضا إلى الصلاة عن طريق الأذان ، اتخذ هؤلاء الضالون الصلاة والمناداة بها موضعا لسخريتهم وعبثهم وتهكمهم .
واسم الإِشارة في قوله: { ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } يعود إلى ما كان منهم من استهزاء وسخرية .
أي: ذلك الذي صدر عنهم من استهزاء وعبث سببه أنهم قوم سفهاء جهلاء ، لا يدركون الأمور على وجهها الصحيح ، ولا يستجيبون للحق الذي ظهر لهم بسبب عنادهم وأحقادهم .
قال ابن كثير: هذا تنفير من موالاة أعداء الإِسلام من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون وهي شرائع الإِسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دينوي وأخروي ، يتخذونها هزوا يستهزئون بها ، ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد ، وفكرهم البارد ، كما قال القائل .
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم
قال تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (29) سورة التوبة
قال الرازي:
اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المشركين في إظهار البراءة عن عهدهم ، وفي إظهار البراءة عنهم في أنفسهم ، وفي وجوب مقاتلتهم ، وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام ، وأورد الإشكالات التي ذكروها ، وأجاب عنها بالجوابات الصحيحة ذكر بعده حكم أهل الكتاب ، وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية ، فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط ، ويكونون عند ذلك من أهل الذمة والعهد ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر أن أهل الكتاب إذا كانوا موصوفين بصفات أربعة ، وجبت مقاتلتهم إلى أن يسلموا ، أو إلى أن يعطوا الجزية .
فالصفة الأولى: أنهم لا يؤمنون بالله . واعلم أن القوم يقولون: نحن نؤمن بالله ، إلا أن التحقيق أن أكثر اليهود مشبهة ، والمشبه يزعم أن لا موجود إلا الجسم وما يحل فيه فأما الموجود الذي لا يكون جسمًا ولا حالًا فيه فهو منكر له ، وما ثبت بالدلائل أن الإله موجود ليس بجسم ولا حالًا في جسم ، فحينئذ يكون المشبه منكرًا لوجود الإله فثبت أن اليهود منكرون لوجود الإله .
فإن قيل: فاليهود قسمان: منهم مشبهة ، ومنهم موحدة ، كما أن المسلمين كذلك فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الإله ، فما قولكم في موحدة اليهود؟
قلنا: أولئك لا يكونون داخلين تحت هذه الآية ، ولكن إيجاب الجزية عليهم بأن يقال: لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم وجب القول به في حق الكل ضرورة أنه لا قائل بالفرق . وأما النصارى: فهم يقولون: بالأب والابن وروح القدس؛ والحلول والاتحاد ، وكل ذلك ينافي الإلهية .
فإن قيل: حاصل الكلام: أن كل من نازع في صفة من صفات الله ، كان منكرًا لوجود الله تعالى ، وحينئذ يلزم أن تقولوا: إن أكثر المتكلمين منكرون لوجود الله تعالى ، لأن أكثرهم مختلفون في صفات الله تعالى ألا ترى أن أهل السنة اختلفوا اختلافًا شديدًا في هذا الباب ، فالأشعري أثبت البقاء صفة ، والقاضي أنكره ، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة ، والباقون أنكروه ، والقاضي أثبت إدراك الطعوم ، وإدراك الروائح ، وإدراك الحرارة والبرودة ، وهي التي تسمى في حق البشر بإدراك الشم والذوق واللمس ، والأستاذ أبو إسحق أنكره ، وأثبت القاضي للصفات السبع أحوالًا سبعة معللة بتلك الصفات ، ونفاة الأحوال أنكروه ، وعبد الله بن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمرًا ولا نهيًا ولا خبرًا ، ثم صار ذلك في الإنزال ، والباقون أنكروه ، وقوم من قدماء الأصحاب أثبتوا لله خمس كلمات ، في الأمر ، والنهي ، والخبر ، والاستخبار ، والنداء ، والمشهور أن كلام الله تعالى واحد ، واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور أم لا؟ فثبت بهذا حصول الاختلاف بين أصحابنا في صفات الله تعالى من هذه الوجوه الكثيرة ، وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق في صفات الله تعالى ، فأكثر من أن يمكن ذكره في موضع واحد . إذا ثبت هذا فنقول: إما أن يكون الاختلاف في الصفات موجبًا إنكار الذات أو لا يوجب ذلك؟ فإن أوجبه لزم في أكثر فرق المسلمين أن يقال: إنهم أنكروا الإله ، وإن لم يوجب ذلك لم يلزم من ذهاب بعض اليهود وذهاب النصارى إلى الحلول والاتحاد كونهم منكرين للإيمان بالله ، وأيضًا فمذهب النصارى أن أقنوم الكلمة حل في عيسى ، وحشوية المسلمين يقولون: إن من قرأ كلام الله فالذي يقرؤه هو عين كلام تعالى ، وكلام الله تعالى مع أنه صفة الله يدخل في لسان هذا القارىء وفي لسان جميع القراء ، وإذا كتب كلام الله في جسم فقد حل كلام الله تعالى في ذلك الجسم فالنصارى إنما أثبتوا الحلول والاتحاد في حق عيسى . وأما هؤلاء الحمقى فأثبتوا كلمة الله في كل إنسان قرأ القرآن ، وفي كل جسم كتب فيه القرآن ، فإن صح في حق النصارى أنهم لا يؤمنون بالله بهذا السبب ، وجب أن يصح في حق هؤلاء الحروفية والحلولية أنهم لا يؤمنون بالله ، فهذا تقرير هذا السؤال .
والجواب: أن الدليل دل على أن من قال إن الإله جسم فهو منكر للإله تعالى ، وذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم ، فإذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى ، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة ، بل في الذات ، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة ، فظهر الفرق . وأما إلزام مذهب الحلولية والحروفية ، فنحن نكفرهم قطعًا ، فإنه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا حلول كلمة { الله } في عيسى وهؤلاء اعتقدوا حلول كلمة { الله } في ألسنة جميع من قرأ القرآن ، وفي جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن ، فإذا كان القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير ، فلأن يكون القول بالحلول في حق جميع الأشخاص والأجسام موجبًا للقول بالتكفير كان أولى .
والصفة الثانية: من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر .
واعلم أن المنقول عن اليهود والنصارى: إنكار البعث الجسماني ، فكأنهم يميلون إلى البعث الروحاني .
واعلم أنا بينا في هذا الكتاب أنواع السعادات والشقاوات الروحانية ، ودللنا على صحة القول بها وبينا دلالة الآيات الكثيرة عليها ، إلا أنا مع ذلك نثبت السعادات والشقاوات الجسمانية ، ونعترف بأن الله يجعل أهل الجنة ، بحيث يأكلون ويشربون ، وبالجواري يتمتعون ، ولا شك أن من أنكر الحشر والبعث الجسماني ، فقد أنكر صريح القرآن ، ولما كان اليهود والنصارى منكرين لهذا المعنى ، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر .