فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 321

الصفة الثالثة: من صفاتهم قوله تعالى: { وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ } وفيه وجهان: الأول: أنهم لا يحرمون ما حرم في القرآن وسنة الرسول . والثاني: قال أبو روق: لا يعملون بما في التوراة والإنجيل ، بل حرفوهما وأتوا بأحكام كثيرة من قبل أنفسهم .

الصفة الرابعة: قوله: { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } يقال: فلان يدين بكذا ، إذا اتخذه دينًا فهو معتقده ، فقوله: { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق } أي لا يعتقدون في صحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق ، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الأربعة قال: { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } فبين بهذا أن المراد من الموصوفين بهذه الصفات الأربعة من كان من أهل الكتاب ، والمقصود تمييزهم من المشركين في الحكم ، لأن الواجب في المشركين القتال أو الإسلام ، والواجب في أهل الكتاب القتال أو الإسلام أو الجزية .

ثم قال تعالى: { حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: الجزية هي ما يعطي المعاهد على عهده ، وهي فعلة من جزى يجزى إذا قضى ما عليه ، واختلفوا في قوله: { عَن يَدٍ } قال صاحب «الكشاف» قوله: { عَن يَدٍ } إما أن يراد به يد المعطي أو يد الآخذ ، فإن كان المراد به المعطي ، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد { عَن يَدٍ } مؤاتية غير ممتنعة ، لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد ، ولذلك يقال: أعطى يده إذا انقاد وأطاع ، ألا ترى إلى قولهم نزع يده عن الطاعة ، كما يقال: خلع ربقة الطاعة من عنقه . وثانيهما: أن يكون المراد حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدًا غير نسيئة ولا مبعوثًا على يد أحد ، بل على يد المعطي إلى يد الآخذ . وأما إذا كان المراد يد الآخذ ففيه أيضًا وجهان: الأول: أن يكون المراد حتى يعطوا الجزية عن يد قاهرة مستولية للمسلمين عليهم كما تقول: اليد في هذا لفلان . وثانيهما: أن يكون المراد عن إنعام عليهم ، لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم عليهم نعمة عظيمة .

وأما قوله: { وَهُمْ صاغرون } فالمعنى أن الجزية تؤخذ منهم على الصغار والذل والهوان بأن يأتي بها بنفسه ماشيًا غير راكب ، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس . ويؤخذ بلحيته ، فيقال له: أد الجزية وإن كان يؤديها ويزج في قفاه ، فهذا معنى الصغار . وقيل: معنى الصغار ههنا هو نفس إعطاء الجزية ، وللفقهاء أحكام كثيرة من توابع الذل والصغار مذكورة في كتب الفقه .

المسألة الثانية: في شيء من أحكام هذه الآية .

الحكم الأول

استدللت بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي والوجه في تقريره أن قوله: { قاتلوهم } يقتضي إيجاب مقاتلتهم ، وذلك مشتمل على إباحة قتلهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم ، فلما قال: { حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون } علمنا أن مجموع هذه الأحكام قد انتهت عند إعطاء الجزية ، ويكفي في انتهاء المجموع ارتفاع أحد أجزائه ، فإذا ارتفع وجوب قتله وإباحة دمه ، فقد ارتفع ذلك المجموع ، ولا حاجة في ارتفاع المجموع إلى ارتفاع جميع أجزاء المجموع .

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: { قاتلوا الموصوفين من أهل الكتاب } يدل على عدم وجوب القصاص بقتلهم وقوله: { حتى يُعْطُواْ الجزية } لا يوجب ارتفاع ذلك الحكم ، لأنه كفى في انتهاء ذلك المجموع انتهاء أحد أجزائه وهو وجوب قتلهم ، فوجب أن يبقى بعد أداء الجزية عدم وجوب القصاص كما كان .

الحكم الثاني

الكفار فريقان ، فريق عبدة الأوثان وعبدة ما استحسنوا ، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية ، ويجب قتالهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ، وفريق هم أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى والسامرة والصابئون ، وهذان الصنفان سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا ، والمجوس أيضًا سبيلهم سبيل أهل الكتاب ، لقوله عليه السلام: « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » وروي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية ، وإنما قلنا إنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ، لأنه تعالى لما ذكر الصفات الأربعة ، وهي قوله تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } قيدهم بكونهم من أهل الكتاب وهو قوله: { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } وإثبات ذلك الحكم في غيرهم يقتضي إلغاء هذا القيد المنصوص عليه وأنه لا يجوز .

الحكم الثالث

في قدر الجزية . قال أنس: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل محتلم دينارًا ، وقسم عمر على الفقراء من أهل الذمة اثني عشر درهمًا ، وعلى الأوساط أربعة وعشرين ، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين . قال أصحابنا: وأقل الجزية دينار ، ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي ، فإذا رضوا والتزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين ، وعلى الغني أربعة دنانير ، والدليل على ما ذكرنا: أن الأصل تحريم أخذ مال المكلف إلا أن قوله: { حتى يُعْطُواْ الجزية } يدل على أخذ شيء ، فهذا الذي قلناه هو القدر الأقل ، فيجوز أخذه والزائد عليه لم يدل عليه لفظ الجزية والأصل فيه الحرمة ، فوجب أن يبقى عليها .

الحكم الرابع

تؤخذ الجزية عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى في أول السنة ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى في آخرها .

الحكم الخامس

تسقط الجزية بالإسلام والموت عند أبي حنيفة رحمه الله ، لقوله عليه الصلاة والسلام: « ليس على المسلم جزية » وعند الشافعي رحمه الله لا تسقط .

الحكم السادس

قال أصحابنا: هؤلاء إنما أقروا على دينهم الباطل بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل وأيضًا مكناهم من أيديهم ، فربما يتفكرون فيعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ، فأمهلوا لهذا المعنى ، والله أعلم . وبقي ههنا سؤالان:

السؤال الأول: كان ابن الراوندي يطعن في القرآن ويقول: إنه ذكر في تعظيم كفر النصارى . قوله: { تَكَادُ * السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدًّا أَن دَعَوْا للرحمن وَلَدًا وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا } [ مريم: 90 92 ] فبين أن إظهارهم لهذا القول بلغ إلى هذا الحد ، ثم إنه لما أخذ منهم دينارًا واحدًا قررهم عليه وما منعهم منه .

والجواب: ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكفر ، بل المقصود منها حقن دمه وإمهاله مدة ، رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على محاسن الإسلام وقوة دلائله ، فينتقل من الكفر إلى الإيمان .

السؤال الثاني: هل يكفي في حقن الدم دفع الجزية أم لا؟

والجواب: أنه لابد معه من إلحاق الذل والصغار للكفر والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل والصغار ، فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عز الإسلام ويسمع دلائل صحته ، ويشاهد الذل والصغار في الكفر ، فالظاهر أنه يحمله ذلك على الانتقال إلى الإسلام ، فهذا هو المقصود من شرع الجزية .

وفي الظلال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت