لقد لخص الإمام ابن القيم سياق الجهاد في الإسلام في"زاد المعاد", في الفصل الذي عقده باسم:"فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل:أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى:أن يقرأ باسم ربه الذي خلق . وذلك أول نبوته . فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ . ثم أنزل عليه: (يا أيها المدثر . قم فأنذر) فنبأه بقوله: (اقرأ) وأرسله ب (يا أيها المدثر) . ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين . ثم أنذر قومه . ثم أنذر من حولهم من العرب . ثم أنذر العرب قاطبة . ثم أنذر العالمين . فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ; ويؤمر بالكف والصبر والصفح . ثم أذن له في الهجرة , وأذن له في القتال . ثم أمره أن يقاتل من قاتله , ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله . ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله . . ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام:أهل صلح وهدنة . وأهل حرب . وأهل ذمة . فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم , وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد ; فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد . وأمر أن يقاتل من نقض عهده . . ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها:فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام . وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم . فجاهد الكفار بالسيفوالسنان , والمنافقين بالحجة واللسان . وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم . . وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام:قسمًا أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده , ولم يستقيموا له , فحاربهم وظهر عليهم . وقسمًا لهم عهد موقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه , فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم . وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه ; أو كان لهم عهد مطلق , فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر ; فإذا انسلخت قاتلهم . . فقتل الناقض لعهده ; وأجل من لا عهد له , أو له عهد مطلق , أربعة أشهر . وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته ; فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم . وضرب على أهل الذمة الجزية . . فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام:محاربين له , وأهل عهد , وأهل ذمة . . ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين:محاربين وأهل ذمة . والمحاربون له خائفون منه . فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام:مسلم مؤمن به . ومسالم له آمن . وخائف محارب . . وأما سيرته في المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم ; ويكل سرائرهم إلى الله ; وأن يجاهدهم بالعلم والحجة ; وأمر أن يعرض عنهم , ويغلظ عليهم , وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم , ونهي أن يصلي عليهم , وأن يقوم على قبورهم , وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم . . فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين". .
ومن هذا التلخيص الجيد لمراحل الجهاد في الإسلام تتجلى سمات أصيلة وعميقة في المنهج الحركي لهذا الدين , جديرة بالوقوف أمامها طويلًا . ولكننا في هذه الظلال لا نملك إلا أن نشير إليها إشارات مجملة:
السمة الأولى:هي الواقعية الجدية في منهج هذا الدين . . فهو حركة تواجه واقعًا بشريًا . . وتواجهه بوسائل مكافئة لوجوده الواقعي . . إنها تواجه جاهلية اعتقادية تصورية ; تقوم عليها أنظمة واقعية عملية ; تسندها سلطات ذات قوة مادية . . ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه . . تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها ; تلك التي تحول بين جمهرة الناس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات ; وتخضعهم بالقهر والتضليل وتعبدهم لغير ربهم الجليل . . إنها حركة لا تكتفي بالبيان في وجه السلطان المادي . كما أنها لا تستخدم القهر المادي لضمائر الأفراد . . وهذه كتلك سواء في منهج هذا الدين وهو يتحرك لإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده كما سيجيء . .
والسمة الثانية في منهج هذا الدين . . هي الواقعية الحركية . فهو حركة ذات مراحل . كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية . وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها . . فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة . كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة . . والذين يسوقون النصوص القرآنية للاستشهاد بها على منهج هذا الدين في الجهاد , ولا يراعون هذه السمة فيه , ولا يدركون طبيعة المراحل التي مر بها هذا المنهج , وعلاقة النصوص المختلفة بكل مرحلة منها . . الذين يصنعون هذا يخلطون خلطًا شديدًا ; ويلبسون منهج هذا الدين لبسًا مضللًا , ويحملون النصوص ما لا تحتمله من المبادئ والقواعد النهائية . ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصًا نهائيًا ; يمثل القواعد النهائية في هذا الدين . ويقولون - وهم مهزومون روحيًا وعقليًا تحت ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان:إن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع ! ويحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلًا بتخليه عن منهجه وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعًا , وتعبيد الناس لله وحده , وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد ! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته . ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة . . بعد تحطيمالأنظمة السياسية الحاكمة , أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها . .
والسمة الثالثة:هي أن هذه الحركة الدائبة , والوسائل المتجددة , لا تخرج هذا الدين عن قواعده المحددة , ولا عن أهدافه المرسومة . فهو منذ اليوم الأول - سواء وهو يخاطب العشيرة الأقربين , أو يخاطب قريشًا , أو يخاطب العرب أجمعين , أو يخاطب العالمين , إنما يخاطبهم بقاعدة واحدة ; ويطلب منهم الانتهاء إلى هدف واحد . . هو إخلاص العبودية لله , والخروج من العبودية للعباد . . لا مساومة في هذه القاعدة ولا لين . ثم يمضي إلى تحقيق هذا الهدف الواحد , في خطة مرسومة ; ذات مراحل محددة ; لكل مرحلة وسائلها المتجددة . على نحو ما أسلفنا في الفقرة السابقة .
والسمة الرابعة:هي ذلك الضبط التشريعي للعلاقات بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات الأخرى - على النحو الملحوظ في ذلك التلخيص الجيد الذي نقلناه عن"زاد المعاد". وقيام ذلك الضبط على أساس أن الإسلام لله هو الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفيء إليه ; أو أن تسالمه بجملتها فلا تقف لدعوته بأي حائل من نظام سياسي , أو قوة مادية . وأن تخلي بينه وبين كل فرد , يختاره أو لا يختاره بمطلق إرادته . ولكن لا يقاومه ولا يحاربه ! فإن فعل ذلك أحد كان على الإسلام أن يقاتله حتى يقتله أو حتى يعلن استسلامه !