فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 321

وكشفت مزاعم بنديكت عن مأزق شديد تعيشه الكنيسة الغربية إزاء هذه الأعداد الكبيرة من أبناء الغرب الذين يدخلون الإسلام سنويا مع كل ما يفعله من أجل وضع حد لهذه القضية, وهو ما دفع ببنديكت وغيره من ترديد المقولات السابقة للمستشرقين الغربيين الذين تعاملوا مع الإسلام بغير موضوعية, ففند علماء الإسلام مزاعمهم فضلا عن قيام مستشرقين آخرين أكثر موضوعية بدحض تلك الشبهات أيضا.

وفي تفنيد من قبل الدكتور محمد عمارة الكاتب والمفكر الإسلامي لدعوى بنديكت قال عمارة: إن تصريحات زعيم الفاتيكان تضمنت أربعة نقاط هي ' العنف والجهاد والعقل وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأت إلا بما هو سيء ' وهي تحتاج إلى الكثير من الكلام.

ورد الدكتور عمارة على زعم بنديكت للربط بين العنف والإسلام وانتشاره بالسيف بأن كل الغزوات التي خاضها الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت دفاعية ضد الذين فتنوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم ,وكان ضحايا كل هذه الغزوات 386 فقط من الجانبين المسلمين وأعداءهم.

وتساءل الدكتور عمارة: ألا يعلم البابا أن الحروب الدينية المسيحية بين البروتستانت والكاثوليك أبيد فيها ما يقرب من 40% من شعوب أوروبا حتى أن فولتير يحصيها بـ 10 مليون شخص؟.. ألا يعلم البابا أن الكنيسة شنت وعبر قرنين من الزمن ما يسمى بالحملات الصليبية على المسلمين. ألا يعلم أن الفتوحات الإسلامية لم تحدث إلا لإخراج أهله الرومان من الشرق وهذه الفتوحات هي التي حررت الكنائس الشرقية من الاحتلال والاضطهاد؟ ألم يقرأ شهادات القساوسة من يوحنا النيقوسي عن الحملات لإنقاذ النصرانية؟.

وتطرف عمارة إلى ما آثاره بنديكت حول الجهاد الإسلامي مشيرا إلى أن هناك خطأ في المساواة بين الجهاد والقتال والعنف, فالرفق بالحيوان والإنسان والنبات والطبيعة وطلب العلم والإحسان والعبادات ومجاهدة النفس والشيطان كل هذه الأعمال تعد جهادا. في حين أن القتال لا يجوز في الإسلام إلا ضد من يفتنون المؤمنين ويخرجونهم من ديارهم.

ومرة أخرى يلوم الدكتور عمارة كبير الفاتيكان متسائلا.. أليست لدى البابا خريطة ليرى من خلالها القوات العسكرية للدول المسيحية تغطي العالم الإسلامي أو يرى تلك الأساطيل البحرية في البحار والمحيطات.. فمن يغزو ومن يمارس العنف والإبادة؟

واستنكر عمارة أن يجد هذا الجهل الذي ليس له نظير في التاريخ بالإسلام وهو الجهل الذي لا يليق بإنسان عادي فما الحال بمن يحتل مثل هذه المكانة الدينية عند المسيحيين.

من جانبه دعا الدكتور محمد العياشي الكبيسي أستاذ الشريعة في قطر وعبر رسالة بعث بها إلى زعيم الفاتيكان إلى مناظرة علنية ومفتوحة حول علاقة الإسلام بالعلم والعقل على أن يحدد بنديكت الزمان والمكان الملائمان له.

وأكد الكبيسي أن له دراسات في مقارنة الأديان وأنه قرأ التوراة والإنجيل والقرآن فما وجد من كتاب يحض على إعمال العقل ويربط بين الوحي والعقل بقدر ما يفعل ذلك القرآن الكريم فكيف يتم اتهام الإسلام بأنه دين غير منطقي وغير عقلاني معللا أن هذه التصريحات جاءت ربما لأحد سببين: أولهما الجهل الكبير بالإسلام أو التأثر بالأجواء السياسية المشحونة بين الغرب والمسلمين.

محاولات للتبرير:

وفي محاولة للتخفيف من حدة تصريحات بنديكت قال أبوت فولف رئيس المذهب البنديكتيني في أنحاء العالم: إن البابا استخدم حوار مانويل مع الرجل الفارسي ليشير بطريقة غير مباشرة إلى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لتحويل القضية إلى مجرد انتقاد لسياسة إيران الساعية لامتلاك أسلحة نووية, فضلا عن رسائل نجاد التي اعتبرت أنها متعجرفة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش والمستشارة الألمانية انجيلا ميركل.. وبهذا فإن الأمر لا علاقة له بالإسلام ذاته.

فيما قال المتحدث باسم البابا فيدريكو لومباردي: إن بنديكت استخدم آراء الإمبراطور مانويل عن الإسلام لمجرد شرح الموضوع وليس لوصم الدين الإسلامي بالعنف مشيرا إلى أن هذا مجرد مثل, فالجميع يعلم أنه في داخل الإسلام هناك مواقف عديدة مختلفة عنيفة وغير عنيفة والبابا لا يريد إعطاء تفسير للإسلام بأنه عنيف.

وبكل تأكيد فإن مثل هذه التبريرات لن يكون صدى إذ أن هناك مؤشرات كثيرة تدلل على حقيقة الموقف البابوي من الإسلام يأت على رأسها اعتذار الفاتيكان لليهود عن تلك المذابح التي تعرضوا لها بيد مسيحيين بينما رفض قادة الفاتيكان الاعتذار للمسلمين عن قرنيين من الاعتداء على المسلمين خلال الحروب الصليبية فضلا عن قرون أخرى من الاستعمار خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

د. يوسف القرضاوي

أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بيانًا فنّد فيه التصريحات المسيئة التي أدلى بها بابا الفاتيكان، بنديكت السادس عشر، حول الإسلام والرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وطالب العلامة يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد، بابا الفاتيكان اليوم الخميس 14-9-2006 بالاعتذار عن هذه التصريحات.

وفيما يلي نص البيان:

فوجئت وفوجئ المسلمون في أقطار الأرض بتصريحات البابا بنديكتوس السادس عشر خلال زيارته إلى ألمانيا، حول الإسلام وعلاقته بالعقل من ناحية، وعلاقته بالعنف من ناحية أخرى.

وكنا ننتظر من أكبر رجل دين في العالم المسيحي: أن يتأنى ويتريث ويراجع ويشاور، إذا تحدث عن دين عظيم كالإسلام، استمر أكثر من أربعة عشر قرنًا، ويتبعه نحو مليار ونصف من البشر، ويمتلك الوثيقة الإلهية التي تتضمن كلمات الله الأخيرة للبشرية (القرآن الكريم) الذي لم يزل يقرأ كما كتب في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، ولم يزل يُتلى كما كان يتلى في عهد النبوة، ويحفظه عشرات الألوف في أنحاء العالم.

ولكن البابا الذي قالوا: إنه كان يشغل مقعدًا لتدريس اللاهوت وتاريخ العقيدة في جامعة راتيسبون منذ 1969م سارع بنقد الإسلام، بل بمهاجمته في عقيدته وشريعته، وبطريقة لا يليق أن تصدر من مثله.

ففي وسط الجموع الحاشدة التي تزيد على مائتي ألف شخص، تحدث البابا عن الإسلام دون أن يرجع إلى كتابه المقدس (القرآن) ، وبيانه من سنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، واكتفى بذكر حوار دار في القرن الرابع عشر بين إمبراطور بيزنطي ومسلم فارسيّ مثقف. وكان مما قاله الإمبراطور للرجل:"أرني ما الجديد الذي جاء به محمد؟ لن تجد إلا أشياء شريرة وغير إنسانية، مثل أمره بنشر الدين -الذي كان يبشر به- بحد السيف!".

ولم يذكر البابا ما رد به الفارسي المثقف على الإمبراطور.

ونسي البابا: أن محمدًا جاء بالكثير الكثير الذي لم تأتِ به المسيحية ولا اليهودية قبلها، جاء بالمزج بين الروحية والمادية، وبين الدنيا والآخرة، وبين نور العقل ونور الوحي، ووازن بين الفرد والمجتمع، وبين الحقوق والواجبات، وقرّر بوضوح الإخاء بين الطبقات داخل المجتمع، وبين المجتمعات والشعوب بعضها وبعض، وقال كتابه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...} [الحجرات: 13] .

وشرع مقابلة السيئة بمثلها، وندب إلى العفو، ودعا إلى السلام، ولكن أمر بالإعداد للحرب: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] .

وأنصف المرأة وكرمها إنسانًا وأنثى وابنة وزوجة وأمًّا وعضوة في المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت