وجاءت المرحلة الثانية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ومفكرها الأبرز هو أدولف فون هارناك وتلامذته الكبار. وعندما كنت طالبا في سنوات الشباب كان هذا النوع من اللاهوت مؤثرا أيضا في الكاثوليكية. وقد اتخذت العملية في هذه المرحلة منطلقا من كلام باسكال الذي أقام تمييزا كبيرا بين إله الفلاسفة، وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وقد كانت محاضرتي الأولى بجامعة بون عام 1959 عن هذا التطور. ولا أريد العودة هنا لتلك التفاصيل. لكنني أريد أن أنبه إلى ما هو الجديد في تلك المرحلة من"نزع الهلينة". كان قصد هارناك العودة إلى رسالة المسيح خالية من تعقيدات اللاهوت، ومن الهيللينية: إن الرسالة الأولى للمسيح ـ بحسب هذا الإدراك ـ هي ذروة التطور الديني للبشرية. فقد وضع المسيح نهاية للاهوت العبادة لصالح الأخلاق. وفي المحصلة فإن المسيح هو أبو الرسالة الأخلاقية الإنسانية. لقد كان المراد التوفيق بين المسيحية المحررة من العناصر الفلسفية واللاهوتية ذات الطابع الفلسفي، لتقع في تناغم مع الإيمان بالمسيح وألوهيته والثالوث الإلهي. وبذلك فإن الطريقة التفسيرية التاريخية النقدية للعهد الجديد أعادت للاهوت مكانته بالجامعة. فاللاهوت ـ عند هارناك ـ شديد الأهمية من الناحية التاريخية، ولذلك يجب أن يبقى"علميا"ومن خلف هذا الإدراك أو هذا الفهم يبرز التحديد المحدث للعقل والعقلانية كما عبر كانط في نقداته. لكنه ازداد حدة بالتدريج بسبب تأثير العلوم الطبيعية. ذلك أن المفهوم الحديث للعقل يجمع بين عنصرين: الأفلوطينية والتجريبية. وهي مقولة سادت في عصر التصنيع. وقد ترتبت على هذا التفسير نتيجتان: كل موضوع يخضع للرياضيات وللعناصر التجريبية هو موضوع علمي. والنتيجة الثانية أن هذا النزع للغطاء الفلسفي يتجاهل الله ويتجاهل الأخلاق، وما عادت العلوم الحديثة بناء على هذه النظرة ترتبط بذلك.
... ولننظر قبل الخاتمة في التطور الثالث وتطورات"نزع الهلينة"والذي يجري اليوم. في المرحلة الأولى قيل إن الهلينة هي مرحلة ينبغي تجاوزها، وفي المرحلة الثانية قيل بضرورة العودة للرسالة الصافية والبسيطة للمسيح وتجربته. وكلتا النقطتين تستحق نقاشا حاميا. فالعهد الجديد كتب باليونانية، ويحمل الروح اليونانية. والتصغير من هذا الأمر أو ذاك باسم العودة للعهدين من جانب المسيحيين يفقد المسيحية روحها الباحثة، وقدرتها حتى على اعتناق الحداثة.
ولنصل إلى الخاتمة. إن نقد العقل الحديث لا ينبغي أن يفهم باعتباره عودة إلى الوراء، إلى ما قبل عصر التنوير، ورفض منجزات الحداثة. فنحن نقر بمنجزات العلوم المتطورة وما جلبته للبشرية من خير وتقدم. وهكذا فلا ينبغي فهم دعوتنا باعتبارها أثرا من الماضي، بل هي سبيل من سبل العقل وكيفية وضعه موضع الحياة العملية. وفي الوقت الذي نقر فيه بإنجازات الحداثة ونقدر خدماتها للإنسانية، نرى الأخطار الصادرة عن المرجع ذاته، كما نرى أملا كبيرا في إمكانيات المراجعة والتفسير.
لا بد أن نستشرف حماسا أكبر في الخروج من التلقائيات والإرادويات، وإلا ضرب الدين، وضربت المعاني العميقة المرتبطة به. والذين كانوا يتجاوزون هم الذين عادوا يقرون بأن الدين ضروري اليوم. وقد رأى الغربيون من قبل أن العقل العملي والأشكال الفلسفية المبنية عليه هي الظاهرة العلمية من غير منازع. والذين يرون أن العقل ينبغي أن يعمى ويضعون الدين بمنزلة الثقافات الشعبية هؤلاء لا يستطيعون ممارسة حوار الثقافات. إن العقل العلمي الحديث يكون عليه أن يقبل البنى العقلانية الموضوعة للتراتبية بين العقل والإيمان، بين الروح والدين والله.
وأريد هنا أن أذكر بما قاله سقراط لفيدون، وكانت عدة مقولات خاطئة قد مرت في بداية حديثهما: سهل على أي أحد سمع مقولات فاسدة إلى هذا الحد، أن يبقى طيلة حياته لا داريا ويسخر من الآخرين، لكنه يكون حينها قد حرم نفسه من سؤال حقيقة الوجود، وسيقاسي في حياته كثيرا من وجوه سوء الفهم والتقصير. ولقد ظل الغرب طويلا يتجنب فعلا الكثير من الأسئلة الأساسية، تارة بحجة أنها ليست غربية، وطورا بأنها غربية أكثر من اللازم: وأن تتصرف بخلاف العقل بحسب مانويل الثاني ـ يعني أنك تتصرف بخلاف طبيعة الله. فلنقبل على الحوار وستظهر المشكلات تباعا، ويمكن البحث عن علاجات رحبة ومشتركة لها، دونما إزعاج.
* هذه المحاضرة ألقاها البابا بنديكتوس السادس عشر بقاعة المحاضرات بجامعة بون في 12/9/2006. وقد اختصرت المقدمة وبعض التفاصيل بداخلها وفي الخاتمة لعدم تعلقها بالموضوع؛ وفيها يروي البابا بدء علاقته بجامعة بون (ألمانيا) عام 1959 أستاذا للاهوت الكاثوليكي. وفي الجامعة المذكورة كليتان إحداهما للاهوت الكاثوليكي والأخرى للاهوت البروتستانتي. وقد انشغل البابا في التمهيد للمحاضرة بالعلاقة مع الزملاء البروتستانت في ذلك الزمان.
**عادل تيودور خوري: من أصل لبناني، وهو أستاذ متقاعد بجامعة مونستر الآن. وقد بدأ حياته العلمية بعمل كبير عن"الجدالات البيزنطية ضد الإسلام في القرن التاسع الميلادي"وتابع نشراته للنصوص اللاهوتية اليونانية واللاتينية بشكل متقطع. وله أعمال كثيرة عن العلاقات الإسلامية ـ المسيحية، وعن الإسلام؛ منها عمل عن التسامح في الإسلام.
وقد كتب تفسيرا للقرآن الكريم (بالألمانية) في اثني عشر مجلدا اختاره من أمهات كتب التفسير.
* نقلا عن جريدة المستقبل اللبنانية، السبت 16 سبتمبر 2006 - العدد 2388، الصفحة 19.
عماد أبو الرُّب
بألم شديد، تابعنا -كمسلمين مقيمين بالغرب- تصريحات بابا الفاتيكان، في وقت يشهد فيه العالم تنامي حملات إثارة الكراهية والحقد تجاه الإسلام والمسلمين من بعض القوى الخفية التي لا يسرها انتشار الإسلام، وكونه أقوى الديانات في معدل انتشاره، وأكثرها قدرة على المحافظة على أصوله وثوابته في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في الوقت الذي تتهاوى فيه سلطة الكنيسة وأثرها في الحياة الغربية.
وتبرز إشكالية تصريحات البابا أنها تصدر من جهة دينية عليا، وعبر محاضرة معدٍّ لها مسبقا مما يعني أنها تعبِّر إما عن جهله - وهذا لا يليق بمن هو في منزلته الدينية -، أو تعبِّر عن كرهه للإسلام - وهذا لا يصب في تفعيل حوار الحضارات - مما يؤثر على أتباعه سلبا ويؤدي إلى تغذية حقدهم وكراهيتهم للآخر.
الضرورات الثلاث
وحتى ندرك عِظَم هذه الفاجعة، ونخرج منها بوعي وإدراك يوجهنا الوجهة السليمة في معالجة هذا الحدث، أرى أن نلفت الضوء حول بعض النقاط الهامة بعيدا عن رد الإساءة بالمثل أو تجاوز الوسائل السلمية في التعبير عن عميق رفضنا وغضبنا لهذه التصريحات، وأبرز ما أراه هنا:
-ضرورة إدراك المسلمين عامة ومسلمي الغرب خاصة لحجم التحدي الذي أثارته هذه المشكلة، ففي البداية سمعنا أصواتا هنا وهناك تذكِّر بالحروب الصليبية، وتجعلها حاضرة في الأذهان، لترسِّخ معاني الكراهية في نفوس الناس، ثم تنامت هذه الأصوات بعد أحداث سبتمبر الأليمة وانتقلت من مرحلة وصف المسلمين بالتطرف إلى وصف الإسلام نفسه!! كما انتقلت من مرحلة وصف المسلمين بالخطر على العالم إلى وصف الإسلام بذلك!!.