فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 321

إن التحدي الذي واجه اللاهوتيين القدامى، وهو ما يزال يواجهنا حتى اليوم: هل الاعتقاد بأن العمل غير العقلاني يناقض طبيعة الله هو مجرد فكرة إغريقية أو أنها حقا وواقعا صحيحة دائما، وأنا أرى أنه في هذه المسألة بالذات يمكن الوصول إلى وجود تناغم بين القناعة الإغريقية والفهم الإنجيلي للإيمان بالله. وإذا عدنا إلى الجملة الأولى في سفر التكوين بحسب يوحنا نجد (في البدء كانت الكلمة"اللوغوس"، وكان الكلمة الله) : فالله يعمل باللوغوس واللوغوس يعني العقل والكلمة.. وهو العقل القادر على التواصل، التواصل بذاته باعتباره عقلا. وهكذا فان يوحنا قال القول النهائي في الفهم الإنجيلي لله، وفي هذه المقولة تتلاقى كل خيوط وخطوط الإيمان الإنجيلي.

يقول يوحنا الرسول أنه في البدء كان اللوغوس، واللوغوس هو الله، وهذا اللقاء بين الرسالة الإنجيلية والفكر الإغريقي ما حدث بالمصادفة. ففي رؤيا بولس الرسول بعد أن وجد طرق آسيا مسدودة، أن إنسانا مقدونيا أتاه في المنام وقال له:"تعال إلى مقدونيا وساعدنا"!

وقد عنت تلك الرؤيا أن هناك ضرورة للتقارب بين الإيمان الإنجيلي والتساؤل الإغريقي. وفي الواقع فإن ذلك التقارب كان جاريا منذ بعض الوقت، فاسم الله، الذي تجلى من شجرة العليق المشتعلة، يفترق عن سائر التأليهات الأخرى مهما اختلفت أساميها. إنه هو، هكذا ببساطة.

وهذا تحد لمصطلح الميث (الأسطورة) الذي حاول سقراط اختراقه، والتسامي فوقه في قياس مقارب. وفي العهد القديم اكتملت العملية التي بدأت في العليقة المشتعلة، خلال السبي، الذي عنى تجردا عن الأرض والمعبودات، حيث هو الله رب السموات والأرض: أنا الله، وهذا الفهم الجديد الخالص لله ترافق مع قدر من التنوير، الذي وجد تعبيره الخاص والقوي بالتبرؤ من الآلهة الأخرى، التي هي من صناعة البشر... وقد حدث بذلك التلاقي النهائي بين إله الإنجيل، والفكر الإغريقي الراقي؛ فكان ذلك الإثراء المتبادل في أدب الحكمة المتأخر...

(ويفضل البابا هنا في حيثيات اللقاء بل والتطابق في الترجمة الإسكندرانية للعهد القديم إلى الإغريقية) .. وصولا للإمبراطور مانويل الثاني وجدلياته، والذي صار قادرا على القول: إن لم تعمل بحسب"اللوغوس"فإن ذلك مخالف لطبيعة الله (عز وجل) .

إن الذي أريد تقريره بكل أمانة هنا أننا نجد اتجاهات في لاهوت العصور الوسطى تتنكر لهذا الامتزاج أو التلاقي بين الروح الإغريقي والروح المسيحي. فبخلاف العقلانية التي عرفها أوغسطين وتوماس، ظهر أناس مثل دونز سكوتوس ينصرون إرادوية تقول إننا لا نستطيع معرفة الله إلا بالإدراك المباشر أو الغريزة. ذلك أن حرية الله تقع فيما وراء أو فوق ذلك، حيث قد تكون أفعال الله مناقضة لكل ما سبق أن فعله! وهذا التوجه يبلغ آفاقا تشبه تلك التي تحدث عنها أو تصورها ابن حزم (يسميه البابا دائما خلال محاضرته: ابن حزن) ، وهي صورة تجيز على الله سبحانه أن يفعل ما قد لا يتفق والخير والحقيقة. فتعالي الله وغيريته المطلقة هما من السموق، بحيث إن عقلنا أو إدراكنا للحق أو للخير لا يعودان مرآة لله، الذي يبقى جل وعلا غير مدرك خلف غاياته الفعلية. وبخلاف ذلك، فإن إيمان الكنيسة ظل يؤكد دائما أنه بين الله والإنسان بين الخالق الأبدي وعقلنا المخلوق، هناك دائما قياس حقيقي. وبحسب هذا التوجه فإن الاختلاف أو اللااشتراك يبقى قائما، ولكن ليس إلى حدود إلغاء القياس ولغته. إن الله سبحانه لا يصير مقدسا أكثر، إذا أبعدناه عنا في إرادوية مفرطة.

فالله هو الوجود الذي يفصح عن نفسه باعتباره لوغوس وهو باعتباره كذلك يتقبلنا بحب: ولا شك أن الحب"يتفوق"على المعرفة. ولذلك فهو قادر على التحقق أكثر من تفكيرنا نفسه. وهكذا فالإيمان المسيحي هو في تناغم مع الكلمة الأبدية ومع عقولنا.

إن هذا اللقاء بين الإيمان الإنجيلي والفلسفة الإغريقية، كان على قدر كبير من الأهمية ليس من جهة موقف تاريخ الأديان، بل ومن جهة التاريخ العالمي. وهو أمر ما يزال يهمنا حتى اليوم. وبالنظر لهذا المشيج فإن المسيحية بالرغم من أصولها وتطورها البارز في المشرق، اتخذت سيرها ومصيرها وطبيعتها في أوروبا. ونحن نستطيع أن نعبر عن ذلك بأن هذا المشيج، مضافا إليه الميراث الروماني، صنع أوروبا، وهو يبقى التأسيس الذي يعبر بالكامل عن الذات الأوروبية. وهذه المقولة التي تذهب إلى أن الميراث الإغريقي المصفى يشكل جزءا جوهريا من الإيمان المسيحي تصادمه عمليات"نزع الهلْيَنة"عن المسيحية، وهي العملية التي سيطرت في النقاشات اللاهوتية منذ بدء الأزمنة الحديثة.

ويمكن تتبع العملية المذكورة وقسمتها إلى ثلاث مراحل، تترابط فيما بينها، لكنها تظل ممكنة التمييز والتمايز في الدوافع والأهداف.

بدأت المرحلة الأولى من عمليات"نزع الهلْينة"في زمن الإصلاح بالقرن السادس عشر. وقد نظر الإصلاحيون في التقليد اللاهوتي السكولائي فوجدوه مرتبطا تماما بالفلسفة. ورأوا أن نظام الإيمان هذا ارتبط بمقولات فكرية غريبة عنه. وقد بحث هؤلاء عن الأصل الطهوري للإيمان المسيحي كما يوجد أو يدرك في الكلمة الإنجيلية. فالميتافيزيقا بحسب هذا الإدراك بدت فكرة مسبقة مأخوذة من مصدر آخر، ويكون على الإصلاح أن ينحيها عن المصدر الإلهي وكلمة الله بحيث تعبر الكلمة عن نفسها. وعندما قال عمانوئيل كانط إنه مضطر لوضع الفكر جانبا ليفسح المجال للإيمان، فإنه كان يضع برنامجا راديكاليا، ما رأى الإصلاحيون أنفسهم آفاقه الشاسعة.

لقد وضع الإيمان في العقل العملي، منكرا علاقته بالواقع بشكل عام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت