والمعنى: أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون ، وتخليهم عن مسئولية الكفر ليس صحيحا . لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق - كما يزعمون - بل الحق أن الله - تعالى - ختم عليها ، وطمس معالم الحق فيها ، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة . فهو - سبحانه - قد خلق القلوب على الفطرة ، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر ، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرشوا عن الخير إلى الشر ، واختاروا الكفر على الإِيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم . فالله - تعالى - طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل الغى على سبيل الرشد ، فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند الله - تعالى - .
فقوله { إِلاَّ قَلِيلًا } نعت لمصدر محذوف أى إلا إيمانًا قليلا . كإيمانهم بنبوة موسى - عليه السلام - وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند الله ، لأن الإِيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم ، يعتبره الإِسلام كفرا بالكل كما سبق أن بينا في قوله - تعالى - { إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلًا أولئك هُمُ الكافرون حَقًّا } ومنهم من جعل قوله { إِلاَّ قَلِيلًا } صفة لزمان محذوف أى: فلا يؤمنون إلا زمانا قليلا . ومنهم من جعل الاستثناء في قوله { إِلاَّ قَلِيلًا } من جماعة اليهود المدلول عليهم بالواو في قوله { فَلاَ يُؤْمِنُونَ } أى: فلا يؤمنون إلا عددا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأشناهه . والجملة الكريمة وهى قوله: { طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } معترضة بين الجمل المتعاطفة . وقد جئ بها للمسارعة إلى رد مزاعمهم الفاسدة ، وأقاربهم الباطلة .
ثم سجل عليهم - خامسا وسادسا - جريميتين شنيعتين فقال: { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا } .
والمراد بالكفر هنا: كفرهم بعيسى - عليه السلام - وهو غير الكفر المذكور قبل ذلك في قوله: { طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } لأن المراد به هنا مطلق الجحود الذى لا يجعل الشخص يستقر على شئ ، فهو إنكار مطلق للحق . وقد أشار إلى هذا المعنى الآلوسى بقوله: وقوله: { بِكُفْرِهِمْ } عطف على { بِكُفْرِهِمْ } الذى قبله - وهو قوله - تعالى - { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } - ولا يتوهم أنه من عطف الشئ على نفسه ولا فائدة فيه ، لأن المراد بالكفر المعطوف: الكفر بعيسى . والمراد بالكفر المعطوف عليه: إما الكفر المطلق . أو الكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لاقترانه بقوله - تعالى - { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } . وقد حكى الله عنهم هذه المقالة في مواجهتهم له - عليه الصلاة والسلام - في مواضع . ففى العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين للسببية ويجوز ان يكون قوله: { بِكُفْرِهِمْ } معطوف على قوله { فَبِمَا نَقْضِهِم } .
والبهتان: هو الكذب الشديد الذى لا تقبله العقول ، بل يحيرها ويدهشها لغرابته وبعده عن الحقيقة . يقال: بهت فلان فلانا ، إذا قال فيه قولا يدهشه ويحيره لغرابته وشناعته في الكذب والافتراء .
والمعنى: إن من أسباب لعن اليهود وضرب الذلة والمسكنة عليهم ، كفرهم بعيسى - عليه السلام - ، وهو الرسول المبعوث إليهم ليهديهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم . وفتراؤهم الكذب على مريم أم عيسى ، ورميهم لها بما هى ريئة منه ، وغافلة عنه ، فقد اتهموها بالفاحشة لولادتها لعيسى من غير أب . وقد برأها الله - تعالى - مما نسبوه إليها . في قوله - تعالى { وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القانتين } وقوله: { بُهْتَانًا } منصوب على أنه مفعول به لقوله - تعالى - { وَقَوْلِهِمْ } ، فإنه متضمن معنى كلام نحو: قلت خطبة وشعرا . ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف ، أى: وبفكرهم وقولهم على مريم قولا بهتانا . أو هو مصدر في موضع الحال أى: مباهتين . ووصفه بالعظم لشناعته وبلوغه النهاية في الكذب والافتراء .
قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) سورة المائدة
قال الرازي:
قوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } .
وأعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود وعن النصارى نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به ، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال { يا أَهْلِ الكتاب } والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى ، وإنما وحد الكتاب لأنه خرج مخرج الجنس ، ثم وصف الرسول بأمرين: الأول: أنه يبين لهم كثيرًا مما كانوا يخفون . قال ابن عباس: أخفوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأخفوا أمر الرجم ، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن ذلك لهم ، وهذا معجز لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتابًا ولم يتعلم علمًا من أحد ، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخبارًا عن الغيب فيكون معجزًا .
والوصف الثاني للرسول: قوله { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } أي لا يظهر كثيرًا مما تكتمونه أنتم ، وإنما لم يظهره لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين ، والفائدة في ذكر ذلك أنهم يعلمون كون الرسول عالمًا بكل ما يخفونه ، فيصير ذلك داعيًا لهم إلى ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا .
ثم قال تعالى: { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ } وفيه أقوال: الأول: أن المراد بالنور محمد ، وبالكتاب القرآن ، والثاني: أن المراد بالنور الإسلام ، وبالكتاب القرآن . الثالث: النور/ والكتاب هو القرآن ، وهذا ضعيف لأن العطف يوجب المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وتسمية محمد والإسلام والقرآن بالنور ظاهرة ، لأن النور الظاهر هو الذي يتقوى به البصر على إدراك الأشياء الظاهرة ، والنور الباطن أيضًا هو الذي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات .
ثم قال تعالى: { يَهْدِى بِهِ الله } أي بالكتاب المبين { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } من كان مطلوبه من طلب الدين اتباع الدين الذي يرتضيه الله تعالى ، فأما من كان مطلوبه من دينه تقرير ما ألفه ونشأ عليه وأخذه من أسلافه مع ترك النظر والاستدلال ، فمن كان كذلك فهو غير متبع رضوان الله تعالى .
ثم قال تعالى: { سُبُلَ السلام } أي طرق السلامة ، ويجوز أن يكون على حذف المضاف ، أي سبل دار السلام ، ونظيره قوله { والذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أعمالهم * سَيَهْدِيهِمْ } [ محمد: 4 ، 5 ] ومعلوم أنه ليس المراد هداية الإسلام ، بل الهداية إلى طريق الجنة .