ففي أول قداس أشرف عليه بعد انتخابه أواخر إبريل 2005م لم يذكر المسلمين بكلمة على حين خص (الإخوة الأعزاء -على حد قوله- من الشعب اليهودي بكلمات تفيض مودة وإعزازًا.
وفي مدينة (كولونيا) الألمانية آخر شهر أغسطس أثناء الأيام العالمية للشباب: التقى بممثلين عن الجالية المسلمة في أسقفية المدينة، فأعرب عن بالغ انشغاله بتفشي الإرهاب، وأكد في هذا اللقاء ضرورة (نزع المسلمين ما في قلوبهم من حقد، ومواجهة كل مظاهر التعصب، وما يمكن أن يصدر منهم من عنف) !.
وهذه النبرة التوبيخية كان لها وقع سيئ في نفوس المسلمين، لما فيها من رؤية ضيقة ومن تصور تبسيطي لمنابع الإرهاب وأسبابه.
كما أن استقباله للكاتبة الإيطالية المقيمة في الولايات المتحدة (أوريانا فالاتشي) والتي تكتب كتبًا ومقالات نارية تؤلب على الإسلام والمسلمين. والتي لا ترى فرقًا بين إسلام متطرف وإسلام معتدل، فالإسلام كله متطرف، والتناقض بين المسيحية والإسلام: جوهري.
كانت هذه مواقف تُعَدّ سلبية بالنسبة للمسلمين، أما اليوم فقد أصبح الأمر يتعلق بالإسلام ذاته، ونحن المسلمين نعتبر النصارى أقرب مودة للمسلمين، والنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - يقول:"أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم".
ولمريم - عليها السلام - سورة في القرآن، ولأسرة المسيح سورة في القرآن (سورة آل عمران) ، وللمسيح وكتابه في القرآن مكان معروف. ونحن لا نريد أن نصعد الموقف، ولكن نريد تفسيرًا لما يحدث، وما المقصود من هذا كله. كما نطلب من حبر المسيحية أن يعتذر لأمة الإسلام عن الإساءة إلى دينها.
لقد كنا نود من البابا أن يدعو إلى حوار إيجابي بين الأديان، وحوار حقيقي بين الحضارات، بدل الصدام والصراع، وقد استجبنا من قبل للدعوة الموجهة من جمعية سانت جديو في روما إلى الحوار الإسلامي المسيحي. وشهدنا دورة للحوار مع أحبار الكنيسة في روما، وفي برشلونة، فيما سُمّي (قمة إسلامية مسيحية) ، وشاركنا في مؤتمرات للحوار الإسلامي المسيحي في الدوحة. فهل يريد الحبر الأعظم أن نغلق أبواب الحوار، ونستعد للصراع في حرب أو حروب صليبية جديدة؟
وقد بدأها بوش، وأعلنها صريحة باسم اليمين المسيحي. ونحن ندعو إلى السلم؛ لأن ديننا يأمرنا بذلك، ولكننا إذا فرضت علينا الحرب خضناها كارهين، نتربص فيها إحدى الحسنين، كما قال قرآننا: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216] .
وكما قال نبينا - صلى الله عليه وسلم:"لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". متفق عليه.
فنحن ندعو إلى التسامح لا إلى التعصب، وإلى الرفق لا إلى العنف، وإلى الحوار لا إلى الصدام، وإلى السلام لا إلى الحرب. ولكنا لا نقبل أن يهاجم أحد عقيدتنا ولا شريعتنا ولا قيمنا، ولا أن يمس نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بكلمة سوء. وإلا فقد أذن الله لنا أن ندافع عن أنفسنا. فإن الله لا يحب الظالمين.
21 شعبان 1427هـ
14-9-2006م
د يحيى هاشم حسن فرغل
في شهر ديسمبر 1967 تلقى السيد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان آنذاك رسالة من بابا الفاتيكان بولس السادس يدعوه فيها إلى الاحتفال بأول يناير 1968 كعيد للسلام!! فرد عليه برسالة لم تكن مجرد تعبير عن الأماني الطيبة وإنما تضمنت تقييما موجزا للموقف، وتحليلا صريحا للمشكلة ومقترحات عملية لتحويل العداوة إلى تعاون صادق.
وأبو الأعلى المودودي أحد عظماء المفكرين في العالم الإسلامي في القرن العشرين ولد في باكستان عام 1903 وبدأ حياته كعالم وصحفي، وأصدر مجلته العلمية الخاصة باللغة الأردية واشترك مع الدكتور محمد إقبال الذي دعاه في عام 1937 للتعاون معه في مهمة تجديد الفقه الإسلامي وتقنينه، واشتغل عميد لكلية اللاهوت بالكلية الإسلامية بلاهور قرابة عامين، وفي عام 1941 نظم حركة البعث الإسلامي وانتخب رئيسا لها، وألف المودودي أكثر من ستين كتابا عن الإسلام ترجم كثير منها إلى اللغة العربية والإنجليزية، والتركية والفرنسية، والبنغالية وغيرها من اللغات المحلية، في الهند وباكستان، وكان من أكثر كتاب شبه القارة الهندوباكستانية قراء
ذهب البابا في رسالته إلى (أن الأساس الموضوعي للسلام يتمثل في إيجاد روح جديدة تبعث التعايش بين الشعوب وتغرس نظرة حديدة لفنسان لأداء واجباته وتحقيق مصيره،..كما لابد من إعداد تربية الأجيال الجديدة وتعليمها الاحترام المتبادل بين الأمم والأخوة والتعاون بين الشعوب والأجناس) و (دعا الجميع إلى مساندة المنظمات الدولية وتدعيمها والتعريف بها بصورة أفضل وتكريمها وإحاطتها بالعناية والثقة وتزويدها بالسلطات والوسائل الملائمة لمهمتها،.. )
وأطلق البابا تحذيره من أن (السلام لا يمكن أن يقوم على أساس من الكلمات البليغة التي تلقى ترحيبا لأنها تلبي الآمال الحقيقية للإنسانية ولكنها يمكن أن تساهم بكل أسف في طمس الروح الحقيقية والنوايا الصادقة للسلام)
ثم أكد أنه (لا يمكن للمرء أن يتحدث عن السلام بحق في الوقت الذي لا يوجد فيه اعتراف أو احترام لأركانه: من الإخلاص والعدل والحب والحرية.. ) على مستوى الأفراد والعلاقة بين الحاكم والمحكوم والعلاقة بين المواطنين، والشعوب في كفة المجالات (.. المدنية والثقافية والخلقية والدينية) .. (وإلا فلن يكون هناك سلام.. وإنما مزيد من العصيان والحرب التي لا يمكن قهرها بصورة نهائية.. )
ثم ختم الباب رسالته بأن (السلام ليس استسلاما ولا يتضمن في طياته تصورا وضيعا كسولا للحياة ولكنه يعلن عن أسمى قيم الحياة وأوسعها انتشارا في العالم وأعني بها: الحق والعدل والحرية والمحبة)
وقد رد السيد أبو الأعلى المودودي بالشكر الصادق على دعوته للسلام معتبرا إياه حجر الزاوية لتحقيق الرخاء والتقدم البشري مبديا أسفه لكون (الإنسانية لا تزال محرومة منه حتى اللحظة الراهنة،، والسبب في ذلك ناجم عن العوامل التي ذكرت بعضها في رسالتك.. وإنني على يقين من أنه ما لم يتم اتخاذ إجراء ما بصورة صارمة، وبأسلوب ملموس لتصفية هذه العوامل فلن تستطيع الأماني الطيبة ومحض التعبير عن النوايا الحسنة والتعاون أن تقود الجنس البشري إلى غايات بعيدة.
إني أحس إحساسا عميقا أن أشد ما نحتاج إليه هو تفتيش قلوبنا بكل إخلاص وأمانة وصدق. إننا بحاجة إلى تحليل نفسي صريح من جانب الأفراد والجماعات ومجموعة الأمم وأعضاء الطوائف الدينية المختلفة، تحليل يهدف إلى أن يفهم هؤلاء عيوبهم ونقائصهم، ويكتشف كل منهم نصيبه المقصود أو العفوي ودوره في العوامل التي تشفي الإنسان، وكذلك نصيب كل منا، كل بمفرده في المثل الأعلى الذي نسعى لتحقيقه ونتطلع إليه لإقامة السلام الحقيقي، وليس ذلك فحسب، وإنما المطلوب أيضا هو أن يسعى كل واحد منا جاهدا في ضوء ما تقدم لإزالة تلك العوامل التي تعترض الطريق إلى السلام بكافة السبل الممكنة.