فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 321

كذلك من واجب كل منا أن يعمل بقلب مفتوح وصراحة صادقة واتجاه للسلام لا لزيادة الأحقاد والنوايا الشريرة فيحاول مصارحة الرجال الخيرين المنتمين إلى الفئات والديانات الأخرى بالنواحي التي لا تعجبه بصورة مباشرة أو غير مباشرة من سلوكهم ومواقفهم، وذلك لكي يعمدوا إلى إصلاحها وإزالة أسباب الشقاق.

وبهذه الروح ذاتها أود أن ألفت انتباهكم إلى أمور معينة أنشأت الضغينة في صفوف المسلمين، وهي أمور تعتبر أساسا لشكواهم من إخوانهم النصارى، وسوف أبينها هنا لأنكم لكونكم أرفع منزلة في الكنيسة النصرانية تتمتعون به من التبجيل الكبير والاحترام والنفوذ العظيمين أن تصلحوا الموقف وأن تعملوا على إحداث تغيير إلى الأفضل في موقف النصارى وسلوكهم.

كما أود أن أضيف أنني أرحب وأدعو إخواننا النصارى أن يخبرونا بصراحة مماثلة بما يأخذون علينا من شكاوى ذات أسباب معقولة وتؤكد لهم أننا سنبذل قصارى جهدنا للقضاء عليها، ولن يتسنى لنا لعمر الحق أن نعمل على إقامة جو من السلام والمحبة والخير في العالم ما لم ينصف كل منا الطرف الآخر، وبهذه الطريقة يمكننا أن نتعاون معا على خدمة فضية السلام.

وأود أن أقول: إننا حتى ولو فشلنا في إظهار التسامح والكرم تجاه بعضنا البعض فإنه يمكننا على الأقل أن نكف عن التظالم وجرح مشاعر بعضنا البعض.

وأقترح أن أبسط أمامكم بأسلوب صريح لا لبس فيه تلك الجوانب من موقف إخواننا النصارى وتصرفاتهم التي تعتبر معادية ومسيئة إلى المقدسات في نظر المسلمين لا في نظر قلة أو فئات منهم فحسب، بل أستطيع أن أقول في نظر جميع المسلمين في العالم، وهذا هو سبب شكايتهم من العالم النصراني:

1-إن التهجمات الموجهة ضد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وضد القرآن والإسلام بصفة عامة من قبل المفكرين النصارى في كتاباتهم واعتداءاتهم التي تستمر حتى الآن هذه التهجمات هي مصدر إساءة كبيرة للمسلمين، وقد تعمدت استخدام عبارة:"تهجم"و"اعتداء"حتى لا ينشأ سوء فهم بأننا نشكو من النقد المنصف والمجابهة المعقولة، فالمناقشات الأكاديمية التي تتخذ نهجا عقليا وتكون في حدود اللياقة لا يمكن بحال أن تسبب الاحتقار أو الضيق، فمثل هذه المناقشة لا تسيء إلينا حتى ولو تضمنت أقسى الاعتراضات، وليس ذلك فحسب بل إن المسلمين يرحبون بذلك، وإنهم على استعداد تام للمشاركة والإسهام في مثل هذه المناقشات

إنه لمن دواعي سرورهم العظيم أن يواجهوا الحجج القائمة على أساس منطقي، ولكننا نشعر أننا على حق حين نستنكر تيار المهاجمة المقذعة الموجهة ضدنا بصورة لا ترتفع عن الأكاذيب والشتائم المبطنة بأسلوب عظيم الإثارة والإساءة، ولا تزال هذه الحملة الكلامية على أشدها،ومن الجدير بالذكر أننا نحن المسلمين نحترم كلا من مريم وعيسى - عليهما السلام - ونقدرهما أعظم تقدير، وهذا يشكل جزءا من عقيدتنا وكل كلمة تشم منها أدنى إساءة لهما تعتبر كفرا في ديننا، أي تجعلنا خارجين عن الإسلام وربما لا تستطيع أن تذكر مثالا واحدا يزعم أن أحد المسلمين قد وجه أدنى إساءة يمكن تصورها للنبي الكريم عيسى - عليه السلام - وأمه الصديقة - عليهما السلام -، ونحن بطبيعة الحال لا نؤمن بألوهية عيسى إلا أن إيماننا بنبوته لا يتزعزع كإيماننا بنبوة محمد عليهما الصلاة والسلام ولا يمكن لأي فرد أن يصبح مسلما بحق ما لم يؤمن بعيسى وبقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى جانب إيمانه بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.

كذلك فإننا نعتقد أن كلا من القرآن والتوراة والإنجيل كتب سماوية، نزلت من عند الله - تعالى -، ولا يمكن لأي مسلم أن يكن عدم الاحترام لهذه الكتب المقدسة، وإذا كانت هناك أية مناقشة لإنجيل في أوساطنا فقد كان ذلك من زاوية التأكد فيما إذا كان الإنجيل المتوفر في أيامنا هذه والمطبوع في كتب صحيحا ومعتمدا أم لا؟ وهل يحتفظ بالوحي كاملا كما نزل على الأنبياء؟ وهذه مشكلة تعرضت لنقاش عظيم حتى من قبل علماء النصارى أنفسهم، ولكن لم يحدث قط أن أنكر أحد من المسلمين أن كلمة الله قد نزلت على أنبياء من أمثال موسى وعيسى وبقية الرسل الوارد ذكرهم في الإنجيل، إلا أن المسلمين لا يسلمون أن الإنجيل الحالي يتضمن كلمة الله كاملة في صورتها الخالصة، ومع ذلك فإنهم يؤمنون أنه يشتمل على كلمة الله، والواقع أن إخواننا النصارى لم تسنح لهم أية فرصة للشكوى بأننا نتعرض لأنبيائهم أو لكتبهم المقدسة، على العكس من ذلك فقد دلت تجاربنا على أننا نتعرض باستمرار لصنوف التعذيب العقلي من قبلهم، ولا يزال هذا الوضع مستمرا منذ قرون، فالمستشرقون وغيرهم من الكتاب والمتحدثين النصارى لا يدعون فرصة تلوح لهم إلا وينفثون فيها سمومهم ضد نبينا وكتابنا المقدس وديننا، وهذا عامل مهم جدا من العوامل المسببة للتوتر في العلاقات بين الطائفتين العالميتين النصارى والمسلمين، فهذا يولد المرارة والبغضاء، كما أن هذه الدعاية الخبيثة تؤدي حتما إلى بث الاحتقار والضغينة ضد المسلمين في قلوب الجماهير النصرانية، فإذا أقنعتم أتباع الديانة المسيحية بتغيير موقفهم وتصرفاتهم بهذا الشأن بصورة لا تجعل النقد والمعارضة وسيلة للبغضاء والإثارة، وإذا نجحتم في ذلك فإنكم تقدمون خدمة جليلة لقضية السلام في العالم.

دور جمعيات التبشير النصرانية:

هناك أمر آخر يستدعي الاهتمام الفوري، ويتعلق بالأساليب التي تستخدمها جمعيات التبشير النصرانية والمبشرون النصارى لنشر ديانتهم في البلاد الإسلامية، فأسلوب العمل الذي يتبعه مبشرو الإنجيل هؤلاء شنيع للغاية، ويعتبر مصدرا من مصادر الشقاق والخلاف، وتتمثل شكوانا في أنهم لا يقصرون نشاطاتهم على نشر الدين فحسب، ولكنهم بدلا من ذلك يلجأون إلى أساليب وسبل لا مناص من اعتبارها وسائل للضغط السياسي والاستغلال الاقتصادي، والتخريب للأخلاق والدين، ويشهد على ذلك ما رأيناه بأم أعيننا وما يشاهد في بقية أنحاء العالم الإسلامي، فلا يمكن لأي عقل مهما كان محدودا، ولا يليق بأي إنسان كريم أن يعتبر تلك الأساليب وسائل مباحة لنشر أي دين من الأديان.

فقد قام هؤلاء المبشرون في مناطق شاسعة من أفريقيا بحرمان المسلمين من كافة الخدمات التعليمية وذلك بالتواطؤ مع الدول الاستعمارية الغربية وتغافلها عن جرائمهم في الوقت الذي كانوا يسيطرون فيه على تلك المناطق.

فقد أوصدوا أبواب المعاهد التعليمية أمام كل شخص لا يدين بالنصرانية، أو على الأقل ليس لديه الاستعداد لتغيير اسمه الإسلامي واستبداله باسم نصراني، وبهذه الكيفية قويت شوكة الأقلية النصرانية وأصبحت الطبقة الحاكمة، وهذه الفئة المنبثقة القوية النفوذ هي التي تولت السلطات السياسية والعسكرية والاقتصادية بعد الاستقلال في كثير من الدول الأفريقية التي تعيش فيها أغلبية ساحقة من المسلمين، وهذا ظلم صارخ نزل بالمناطق الأفريقية التي تقطنها أغلبية من المسلمين.

وفي السودان استأثر المبشرون النصارى بجنوب السودان بمساعدة الاستعمار البريطاني، وأصبحت كافة حقوق نشر العلم الحديث امتيازا خاصا بالنصارى دون غيرهم، وفرضت على المسلمين قيود حتى في زيارة هذا الإقليم، لا لأغراض الدعوة ونشر دينهم فيه فحسب، بل لأي غرض كائنا ما كان.

لست أدري كيف يمكن اعتبار مثل هذه الإجراءات وسائل عادلة ومعقولة لنشر الدين؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت