بعد انتصار ليبانتو سنة 979هـ- 1571م لم يحقق الصليبيون انتصارات كبرى على العثمانيين زعماء العالم الإسلامي، وسرت روح من الفتور في الجانبين، وانشغل كلاهما بمشاكله الداخلية وصراعاته الإقليمية، وظل الأمر على هذا المنوال حتى تولي كرسي البابوية 'جريجوري العاشر'، وعلى ما يبدو أن أي بابا يتلقب بهذا اللقب عادة يكون ذا طموحات صليبية خطيرة ضد العالم الإسلامي، فمنذ أن تولي جريجوري العاشر المنصب أخذ في الدعوة إلى تشكيل حلف مقدس ضد العثمانيين, مستغلًا حالة الفوضى داخل الدولة العثمانية نتيجة تولي السلطان محمد الرابع السلطنة وكان ابن سبع سنوات، وقد قرر جريجوري الاستفادة من قوة روسيا القيصرية الصاعدة فضمها للحلف على الرغم من أن الروس أرثوذكس، وكذلك ضم في حلفه النمسا رغم عصيان ملوكها الدائم لأوامر البابوية, ولكن وجود أسرة كوبريلي في منصب الصدارة العظمى داخل الدولة العثمانية عطل مشروع جريجوري العاشر حتى جاء خلفه حنا الخامس عشر والذي استغل فشل الجيوش العثمانية في فتح فيينا عاصمة النمسا سنة 1094هـ - 1681م في تأجيج مشاعر العداء الصليبي ضد العالم الإسلامي, وكان هذا التاريخ هو تاريخ تحول كفة الصراع لصالح الصليبيين، وأيضًا تاريخ خفوت صوت البابوية، وبروز نجم روسيا القيصرية التي ستدخل في حرب صليبية طويلة وشرسة نيابة عن العالم الصليبي ضد الدولة العثمانية زعيمة العالم الإسلامي.
وفي هذه الفترة ظهرت الثورة الصناعية وما صاحبها من محافل ماسونية وأفكار علمانية تحارب الدين ممثلًا في الكنيسة، وحصلت حالة من الفصام النكد بين الدين والحياة في أوروبا، وأصبح دور البابا منحصرًا في الجوانب الروحية، بل تعرض منصب البابوية نفسه للإلغاء أيام حكم موسوليني في إيطاليا, ولكن الحقيقة الثابتة والتي لا يستطيع أحد أن يجادل فيها أو يحاول أن يخفيها أن أثر البابا ظل باقيًا في كل الحروب والصراعات التي نشبت بعد ذلك بين العالم الإسلامي وأعدائه الغربيين، فلقد كان الطابع الصليبي والحقد الديني بارزًا في كل هذه الحروب والصراعات، وعشرات السنيين التي جثم خلالها الغرب على العالم الإسلامي في صورة احتلال كانت الصليبية والعداوة الدينية طافحة في كافة أعمال وتحركات الغرب، والمجازر الوحشية والمروعة التي قام بها الاحتلال الفرنسي في الجزائر والمغرب ودول غرب إفريقيا ومثيلتها التي قام بها الاحتلال الروسي في القوقاز ووسط آسيا، وغير ذلك كثير يعتبر خير دليل على الحقد الصليبي الطافح في هذه الحروب, والذي يرجع الفضل الأول في إبرازه وتأجيجه ثم تثبيته لكرسي البابوية.
ثم في الوقت الحاضر ماذا يسمي المشئوم بينيدكت السادس عشر حرب البوسنة والمجازر المروعة التي قام بها الصرب الكفرة بحق مسلمي البوسنة, حيث ذبحوا قرابة النصف مليون مسلم, وما قام به الروس الكفرة في حروب الشيشان بحق مسلمي القوقاز، وما يسمى حروب أمريكا على أفغانستان ثم العراق، وما يسمي حرب لبنان ونيجيريا وساحل العاج وإندونيسيا الداخلية حيث وثب النصارى في هذه البلاد على مسلميها، وارتكبوا سلسلة من المجازر المروعة والتي يندى جبين البشرية لمثلها.
فهل يعقل أو يصح بعد ذلك أن يتكلم عن الحرية ونبذ العنف باسم الدين من يجلس على كرسي غارق في الدماء, ويد أسلافه ملطخة بدماء المسلمين عبر سنوات الصراع الأبدي بين الكفر والإيمان.
وعلى ما يبدو أن دور كرسي البابوية قد عاد ليطل برأسه من جديد ليتبوأ مكانه الريادي في قيادة العالم النصراني في حربه المستمرة ضد العالم الإسلامي, وما يدرينا لعل هذا البابا المحارب سيكون شرارة البدء لسلسلة الملاحم الكبرى التي ستقع في آخر الزمان بين الروم والمسلمين. الله أعلم!!
http://www.islammemo.cc:المصدر
محمد مصطفى علوش
8 رمضان 1427هـ الموافق له 30 سبتمبر 2006م
'الله مع أمريكا، الله يريد أن تقود أمريكا العالم' [الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون] .
لم تكن نظرية الحرب الاستباقية نظرية حديثة كما يرى كثير من الباحثين وإن كانت هذه النظرية لاقت رواجًا كبيرًا في الآونة الأخيرة مع الحملة العسكرية على العراق وأفغانستان، بل إن هذه النظرية تعود ولادتها إلى الإمبراطورية الرومانية خلال عمرها الذي وصل إلى أربعة قرون, حيث استطاعت أن تحافظ على سلامة وجودها بفضل الحروب الاستباقية التي كانت تشنها بوجه أية دولة تتوجس منها خيفة، إلا أن هذه النظرية كانت شبه غائبة بين الدول العظمى إبان القرن المنصرم, حيث وصفت العلاقة بين المعسكرين الشرقي والغربي بالحرب الباردة, فلم يتم توجيه أية ضربة عسكرية لأي معسكر من قبل المعسكر الآخر في حرب استباقية جنونية، إلا أن هذه النظرية كانت ولا تزال الخيار الاستراتيجي الدائم في فكر الساسة الإسرائيليين؛ فقد قامت إسرائيل بتطبيق هذه النظرية في حرب 67، وبضربها المفاعل النووي العراقي عام 1981م، إلا أنه مع قدوم المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض [ريتشارد بيرل وبول وولفووتيز وكوندوليزا رايس ورونالد رامسفيلد وديك تشيني] وخصوصًا بعد 11 أيلول 2001م أصبحت هذه النظرية هاجس السياسة الأمريكية في علاقاتها مع الدول المارقة, حيث من وجهة نظرهم يجب معاقبتها وإجبارها عسكريًا على الانصياع والدوران في الفلك الغربي التي تقوده الولايات المتحدة, ولعقد من الزمان نجحت الآلة الأمريكية القوية في فرض أسلوب الحياة الأمريكية في أنحاء كثيرة من العالم, مستغلة ما لديها من قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية.
تقوم نظرية 'الحرب الاستباقية' على فلسفة سياسية تفترض وجود خطر داهم من عدو مجهول يتهدّد الأمن القومي الأمريكي في كل لحظة، كما تقوم على افتراض ألاَّ يكون التهديد بالضرورة حاصلًا بالفعل من دولة أو من منظمة سياسية لكي تخاض ضده الحرب الوقائية، وإنما يكفي أن يتم تصوُّره من جانب مراكز التخطيط الاستراتيجي في البيت الأبيض والبنتاغون للمبادرة إلى تلك الحرب.
لقد أعلنت السياسة الأمريكية تبنيها هذه النظرية في 11- 9- 2002م, أي بعد سنة من أحداث الحادي عشر من أيلول, والتي كشف النقاب عنها في وثيقة تحت عنوان 'استراتيجية الأمن القومي الأمريكي', حيث تبرر الوثيقة استخدام القوة العسكرية ضد أي طرف يتصور أنه عدو حالي أو مستقبلي، أو يهدد مصالحها الاستراتيجية في العالم على المدى المنظور أو غير المنظور, وهذه الاستراتيجية طبقت في كل من العراق وأفغانستان.
تقول الوثيقة: 'إن على الولايات المتحدة أن تحتفظ وتظل محتفظة بقدرتها على إحباط كل مبادرة يقوم بها أو يفكر في القيام بها أي عدد من أعدائنا للنيل من قوتنا, سواء أكان هذا العدو دولة أم غيرها 'كالشبكات الإرهابية', وأن ننتزع منه القدرة على فرض إرادته علينا أو على حلفائنا أو أصدقائنا في العالم, بل ستبقى قوتنا القوة الكبرى التي تروع جميع خصومنا، وتشل قدراتهم سواء أكانوا خصومًا بالفعل أم خصومًا محتملين، أم من أولئك الذين يسعون إلى التسابق إلى التسلح ليصبحوا معادلين لنا، أو أقوى من قوة الولايات المتحدة'.
بين المحافظين الجدد وقداسة البابا:
'لقد انتصرنا على العدو الشيوعي ولم يبق لنا عدو إلا الإسلام' [الرئيس الأمريكي نيكسون في كتابه الفرصة السانحة] .