فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 321

ولما حان وقت صلاتهم، اتجهوا نحو المشرق، وأرادوا أداءها في المسجد، وفي اتجاه مخالف لاتجاه المسلمين.. تثليث وصلبان وصلاة مغايرة في مقابل التوحيد وصاحب الرسالة، ورفض الصحابة هذه الإثارة، ولعلّ البعض رآها استفزازًا.

ولكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قَبِل ذلك، وطلب من أصحابه الأفاضل السماح للضيوف الكرام أداء صلواتهم في المسجد، على مرمى عين صاحب الرسالة؛ احترامًا لعيسى وآل عيسى وأتباع عيسى عليه السلام.

ولقد بقي هذا الجمع يسكن المسجد لأيام، في ضيافة النبي صلى الله عليه وسلم، يأكلون ويشربون ويصلون وينامون، دون إزعاج أو مضايقة أو منع أو تنديد.. هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم!.

إخوة ومواطنة

ولقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يعود المرضى من غير المسلمين، ويزور جيرانه، ولو لم يكونوا من أصحاب ديانته، ولا يبخل على الإحسان إلى محتاجهم. وقد وقف ذات يوم عند مرور جنازة احترامًا لجثمان الميت، فقيل له إنها جنازة يهودي، فقال عليه الصلاة والسلام:"أليست نفسًا".. تذكيرًا بأصل الخِلقة وتكريم الخلق على اختلاف مشاربهم وأجناسهم وأديانهم وثقافاتهم.

قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس.. إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فيبلغ الشاهد الغائب".

ولن يقف هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام موقف المحايد أو الشامت أو الداعي إلى الخلاص، ممن رفض دينه وعايشه في وطن، علت فيه قيم المواطنة على انتماءات العقيدة والجنس، وغلبت فيه لغة حقوق الإنسان مهما غربت أو شرقت وجهته الدينية، فكان دستور المدينة تعبيرًا فريدًا وإفرازًا نوعيًّا وإنشاء قانونيًّا جديدًا، جمع تحت بنوده أمة محمد والأمم الأخرى التي تساكنه نفس الوطن لها ما لهم وعليها ما عليهم.

ولن يتوقف هذا المدد الإنساني الذي حمله محمد صلى الله عليه وسلم بين دفتي رسالته، بل تجاوزه إلى اعتبار ديني غليظ، يصبح فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم سندًا روحيًّا مباشرًا لأهل الديانات الأخرى، إذا طالهم ظلم أو حيف أو انتقاص:"ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة".. هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم!.

لقد كان في كتاب النبي الكريم إلى أهل نجران: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ، وهذه الآية تبني علاقة الاحترام والتعارف بين الأديان والثقافات والتي حملها رجل جاء رحمة للعالمين!.. هذا يا قداسة البابا هو محمد صلى الله عليه وسلم!

معتز سلامة**

بابا الفاتيكان

جاءت تصريحات البابا بيندكت السادس عشر لتلقي بالكنيسة خلف السياسة ولتغلف أجواء من الماضي عمل الجانبان الإسلامي والمسيحي طويلا على تلافيها والتخلص من أعبائها التاريخية الثقيلة. فهل جاء تصريح البابا عن جهل بالآخر، أم جاء ليؤرخ لحقبة جديدة من علاقة الكنيسة بالدولة في الغرب وعلاقة الغرب بالعالم الإسلامي؟.

فقد ألقت تصريحات البابا بيندكت السادس حول الإسلام بالضوء على الخلفية العلمية والتوجهات المحافظة المنغلقة للبابا بيندكت السادس عشر؛ فليس هذا التصريح إلا قمة جبل الثلج التي تخفي تحتها قناعات شخصية خاصة بالبابا وعلماء اللاهوت والمتخصصين الأكاديميين في المعاقل الدينية في الغرب، بشأن القرآن والإسلام، كما أنها ليست أول ملاحظة سلبية يبديها البابا حول الإسلام.

فقد روى الأب جوزيف د.فسيو تفاصيل الحلقة الدراسية التي حضرها مع البابا بيندكت في سبتمبر 2005 حول الإسلام. حيث قال البابا -كما روى الأب جوزيف-: إنه في العرف الإسلامي أعطى الله كلمته إلى محمد، لكن هذه الكلمة أبدية، وهي ليست كلمة محمد، فهي موجودة إلى الأبد مثلما نزلت من دون تغيير ولا مجال لتعديلها أو تفسيرها، وهو -كما يرى البابا- جوهر الخلاف بين الإسلام والمسيحية واليهودية. وطبقا للأب د. فسيو فإن بيندكت يفهم القرآن على أنه"شيء سقط من السماء ولا يمكن تعديله أو تطبيقه"، وهو نوع من الجمود.

قناعات مفارقة ورؤية منغلقة

ويتضح من رواية د. فسيو أن البابا بيندكت ليس من طائفة الباباوات المنفتحين، مثل البابا السابق يوحنا بولس الثاني، وإنما هو من طائفة الباباوات المحافظين المنغلقين على معارفهم بالآخر من خلال تفاعلاتهم الذاتية والمعرفة المتوارثة من الكتب التي تضمنت أسوأ خبرات الاحتكاك بين الحضارتين وليس المعرفة المرتبطة بالعصر والتي تتراكم من خلال الاحتكاك المعاصر بالآخر.

وهذه القناعات الخاصة بالبابا تمثل مفارقة تامة مع القناعات التي أرساها البابا السابق، فبينما نأت الكنيسة الكاثوليكية بنفسها عن السياسة وتمكن البابا يوحنا بولس الثاني من رسم معالم هذه السياسة وتجذيرها على امتداد عقود بابويته، فإن البابا الجديد يضع بتصريحاته ورؤاه المحافظة العلاقة بين الكنيسة والدولة على محك قد يجعل الكنيسة خادمة للسياسات الغربية أو الأمريكية المحافظة تحديدا.

وعلى مستوى علاقة الكنيسة بالدولة في الغرب، فإن هذه التصريحات تأتي في ظل الإدارة الأمريكية الراهنة التي يتحكم بها المحافظون الجدد، وصحيح أنه ليس وراء السياسات الأمريكية توجيهات كنسية مباشرة، إلا أنه من الملاحظ اتجاه عدد من السياسيين الأمريكيين -وعلى رأسهم الرئيس بوش نفسه- إلى إقحام المصطلح الديني على قاموس العلاقات الدولية. وتكثيف رؤية الآخر -وتحديدا العالم الإسلامي- من منظور معين يحصره في معاني: التأخر، والتخلف والإرهاب ومحدودية العقل، ويسلط الضوء على لقطة من أسوأ لقطات التماس بين الإسلام والمسيحية في العصور الوسطى، وهي لقطة مشوهة أيضا في علاقة الكنيسة بالدولة والسلطة الروحية بالسلطة الزمنية في الغرب.

تصريحات بيندكت والسياسة الأمريكية

وعلى مستوى السياسة الأمريكية، فإن هذه التصريحات تأتي في ظل تكرار أكثر من تجربة غزو واحتلال لبلد عربي إسلامي، وقد حرصت الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا السابق على النأي بنفسها عن كل ذلك. وفي يوم ما حينما كانت الطائرات الأمريكية تقصف كابول وبغداد، لم يحمل أي شخص عاقل في العالم الإسلامي البابا السابق أي ذنب في احتلال أي بلد عربي أو إسلامي، وكان الجميع باستطاعتهم التفريق بين سلوك إدارة بوش والبابا المعتدل يوحنا.

وفقط المهووسون بالصراع الديني وبالعداء للآخر هم الذين كانوا يتحدثون عن مؤامرة تبشيرية. لكن من شأن تصريحات البابا الجديد أن تقذف بالكنيسة في قلب الصراع الجاري بين السياسة الأمريكية والعالم الإسلامي. وذلك قد يعمل على تقريب الكنيسة في صورة العقل الإسلامي أكثر بسياسة أمريكا في المنطقة العربية والإسلامية وتوجهات المحافظين الجدد بشأن تقسيم المنطقة علي أسس محض طائفية ومذهبية، بدلا من كونها في قلب الغرب الأوروبي الذي عقلنته خبرات الصراع والتجارب مع العالم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت