فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 321

ونقلت الوكالة عن بارداكوجلو قوله: إن كلمات البابا"مؤسفة بشدة ومثيرة للقلق...للعالم المسيحي وسلام البشرية بأسره.وكان البابا قد انتقد بشكل مبطن خلال زيارته لبلده الام ألمانيا مفهوم"الجهاد"في الإسلام. وقال البابا"إن العنف لا يتوافق مع طبيعة الرب وطبيعة الروح"، وذلك خلال محاضرة ألقاها الثلاثاء أمام الأكاديميين في جامعة ريجينزبورج. وكان محور كلمة البابا هي قضية العقل والدين وكيف أنه لا يمكن فصلهما وضرورتهما"للحوار الحقيقي بين الثقافات والديانات الذي نحن بحاجة ماسة إليه اليوم"."

واستشهد البابا بمقطع من كتاب يحوي محادثة بين الإمبراطور البيزنطي المسيحي مانويل باليولوجوس الثاني وأحد المثقفين الفارسيين حول حقائق المسيحية والإسلام في القرن الرابع عشر. وقال البابا"وتحدث الامبراطور عن موضوع الجهاد، الحرب المقدسة. وقال الإمبراطور - وأنا هنا أقتبس مما قاله - أرني شيئا جديدا جاء به محمد، وهنا لن تجد إلا كل ما هو شر ولا إنساني، مثل أوامره بنشر الإسلام بحد السيف".

ولإدراكه لحساسية القضية كرر بنيديكت مقولة"أنا اقتبس"مرتين قبل أن ينقل ما جاء من عبارات عن الإسلام والتي وصفها بأنها"فظة"، بينما لم يتفق معها أو يرفضها بشكل صريح. وأضاف البابا:"وواصل الإمبراطور كلامه ليشرح بالتفصيل لماذا كان نشر العقيدة باستخدام العنف يمثل أمرا منافيا للعقل". لكن بنيديكت لم يتناول رد عالم الدين الفارسي على اتهامات الإمبراطور. هذا وقد أصدر الفاتيكان بيانا قال فيه إن البابا لم يقصد مطلقا الإساءة إلى الإسلام.

وقال المكتب الصحفي للفاتيكان في بيان بأنه لم يكن في نية البابا بالتأكيد إجراء دراسة متعمقة للجهاد والفكر الإسلامي بشأنه. وأضاف بيان لكبير المتحدثين باسم الفاتيكان فدريكو لومباردي إنه من الواضح أن نية البابا هي تشجيع موقف الاحترام والحوار تجاه الأديان والثقافات الأخرى ومن الواضح أن ذلك يشمل الإسلام. وقال لومباردي إن قراءة متأنية لمحاضرة البابا ستظهر إن ما يعني البابا فعلا هو رفض واضح وجذري للدوافع الدينية للعنف.

ورأى بعض خبراء الفاتيكان أن البابا أراد، على ما يبدو، وضع شروط لحوار مع المسلمين قبل زيارته المقررة إلى أنقرة بين 28 و30 نونبر. وقد عارض بنديكتوس الـ16 باستمرار انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وكان بنيديكت السادس عشر قام منذ بداية ولايته البابوية بخطوة لافتة بإرساله رئيس مجلس الحوار بين الديانات رئيس الأساقفة، البريطاني مايكل فيتزجيرالد إلى منصب ممثل الكرسي البابوي في مصر ولدى الجامعة العربية. وفسر هذا القرار على انه إبعاد لفيتزجيرالد الذي كان يقود حوار الكنيسة الكاثوليكية مع الإسلام.

جمال سلطان

التصريحات المثيرة التي أدلى بها بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر قبل أيام في محاضرته التي ألقاها بجامعة رتيسبون الألمانية، والتي تعرض فيها بالإهانة للعقيدة الإسلامية وللنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، بصورة غير مسبوقة من رمز ديني كبير، بقدر ما تكشف عن غياب للحكمة واللياقة، بقدر ما تكشف عن أزمة كبيرة في الكنيسة الكاثوليكية، هناك انهيار في القناعات الدينية لدى الأجيال الجديدة في الغرب، وفي أوربا تحديدا، وهناك شكاوى من انصراف الناس عن الكنيسة وعن المسيحية إلى عقائد أخرى وخاصة إلى الإسلام.

كما أن التقارير المنشورة تفيد بأن عدد الداخلين في الإسلام في الغرب في تزايد مستمر، بل إنه زاد بعد أحداث سبتمبر الأمريكية رغم أن المظنون كان العكس، وذلك أن الأحداث حركت الفضول الغربي نحو معرفة الإسلام الذي أثار كل هذا الضجيج والجدل، والقاعدة المضطردة على مدار التاريخ أن كل اقتراب من دراسة الإسلام بروح منفتحة ينتهي بصاحبه إلى شهادة التوحيد، وأعتقد أن هذه الحقائق كلها كانت حاضرة أمام بابا الفاتيكان وهو ينحرف بكلامه فجأة بدون أي داع أو معنى نحو هجاء الإسلام ونبي الإسلام.

أيضا هناك بعد شخصي في المسألة يتعلق بشخصية بنديكت نفسه، لأنه يحمل حساسية خاصة ـ ولا أريد أن أقول كراهية ـ تجاه الإسلام والمسلمين تجلت في العديد من مواقفه السابقة حتى قبل توليه منصب البابوية، فهو صاحب الموقف المتطرف الشهير الرافض لدخول تركيا إلى الاتحاد الأوربي، حيث اعتبرها لا تتجانس مع"أوربا المسيحية"في إشارة إلى الديانة الإسلامية في تركيا، كذلك حشر نفسه مرارا في التعليق على الفكر الإسلامي وتسييس الإسلام بدون أي معنى، إضافة إلى تصريحاته الأخرى التي يعلن فيها عن تحالف الكنيسة الكاثوليكية مع الإدارة الأمريكية الحالية، وهي المعروف عنها ميولها الأصولية المسيحية المتطرفة، كذلك علاقاته الوثيقة مع الحركات اليهودية وحرصه الكبير على التودد لكل ما هو يهودي، ديانة أو تاريخا أو ثقافة أو موقفا سياسيا.

واللافت للنظر أن البابا عندما أراد تجريح دين الإسلام لجأ إلى قراءة سطور من كتاب قديم، بما يعني أن"أجواء التاريخ"بكل ثقله وصراعاته وسوداويته حاضرة في مشاعر البابا، وهذا مؤشر خطير يطرح أكثر من علامة استفهام حول فكرة الحوار بين الأديان التي يقودها الفاتيكان ويسهم فيها علماء مسلمون، أيضا يستدعي ذلك التأمل في مسألة التستر بانتقاد الحركات المتشددة للطعن في الإسلام، فالبابا كشف عن أن الكراهية متوجهة للإسلام ذاته، بغض النظر عن المتطرفين فيه أو المعتدلين.

بالمقابل أعتقد أن ردود الفعل الإسلامية ينبغي أن لا تستدرج إلى مساحات العنف والخطاب غير العقلاني، لأن الاعتدال والعقلانية في الموقف الإسلامي تكون أكثر بلاغا وإفحاما لرعونة رأس الكنيسة الكاثوليكية، خاصة وأن موقف البابا مثل إساءة، بل فضيحة للكنيسة الكاثوليكية أكثر منه إساءة للإسلام، كذلك أتمنى أن تمتنع الحركات الإسلامية عن رد الفعل العنيف أو لغة التهديدات، لأن هذا لا يليق في مثل هذه المواقف، كما أنه سوف يسيء حتما إلى الموقف الإسلامي لو حدث.

لقد ارتكب بابا الفاتيكان حماقة حقيقية، ولكن دعوا أصحاب القلم والعلم والرأي يجيبونه، وإن كان هذا بطبيعة الحال لا يحجر على الموقف الشعبي الإسلامي من أن يعبر عن غضبه بالتظاهر السلمي، فهذا حق مشروع، وفي المحصلة فإن القرآن الكريم يوجهنا بتوجيهه النبيل الكريم"خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين".

زادت حدة ردة الفعل الرسمية العربية والإسلامية ومن القيادات الحزبية على تعليقات بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر المقتبسة، والتي تزعم"تجاهل الإسلام لدور العقل ونشر الدين الإسلامي بالسيف".

وأدلى البابا خلال محاضرة ألقاها في ريجنسبورغ الثلاثاء في ألمانيا، بتصريحات بشأن الإسلام والجهاد تشير إلى علاقات بين الإسلام والعنف وأثارت موجة استنكار وغضب شديدين في العالم الإسلامي.

وأتى أقوى هذه الردود من رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية، فقد قال: إنه يندد ويستنكر باسم الشعب الفلسطيني تصريحات البابا بشأن الدين الإسلامي، مطالبا البابا بـ"التوقف عن المس"بالديانة الإسلامية.

وطالب هنية رأس الكنيسة الكاثوليكية بإعادة النظر في تصريحاته بشأن الإسلام كعقيدة وشريعة، معتبرا أنها جافت الحقيقة ومست جوهر العقيدة وأساءت إلى التاريخ الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت