فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 321

لقد حاول الكثيرون منا على مر السنوات الأخيرة أن يبينوا لغير المسلمين أن الفرق بين الإسلام وبين التخلف والعصبية والعنف شاسع ولكن الأمر ليس سهلًا؛ فاضطر أكثرهم في سبيل الذود عن الدين، إلى التبرؤ من بعض الأجزاء اللامعة المشرقة من تاريخه بدعوى نفي كل تهمة تلصق به، على الرغم من أن التاريخ يثبت أن طرائق التفكير والفعل تختلف وتتطور هي الأخرى، بمعنى أن ما كان أمرًا عاديًا فيما مضى، أضحى غير ممكن حاليًا، وهذا كله في سبيل الربط بين الإسلام و المدنية الحديثة و إن كان الأََوْلى لنا أن نخضع المدنية للقيم الإسلامية لا العكس و بالتالي -وبما أن العكس هو الواقع- صرنا نلحظ مثلًا أنه حينما يقول غيرنا إن الإسلام هو دين العنف؛ فإننا نسارع إلى نفي ذلك إلى درجة أن بعضنا ربما ود أن كلمة 'الجهاد' ما وردت في الدين وهكذا فكلما قالوا لنا أن الإسلام هو مرادف الجهل، سارعنا إلى الاستشهاد بأسماء من وزن ابن رشد، ابن سينا، الفارابي، الرازي و غيرهم من الأعلام لكأننا نسعى إلى تذكيرهم بما تناسوه من التاريخ.

من حق الأمة أن تكون الأمور واضحة أمامها في هذا الوقت تحديدًا فالمستهدف هنا هو الدين وكل الموروث الثقافي و الفكري و ليس من حقنا أن نتغافل عن حقيقة أننا و هؤلاء، نقف على طرفي نقيض من مرحلة الصراع من غير أن نكون نحن من أسس لهذا الواقع العالمي غير العادل بمعنى أننا لا نخشى الحوار و الجدال العقلي الصريح إلا أننا و في ذات الوقت، لا نرغب في أن نخلط بين ما هو واقع و ما هو مفترض. لقد استشهد بابا الفاتيكان بإمبراطور بيزنطة لكأن الرجل هو أحد أدوات الاستدلال العقلي و تناسى و لست أفهم كيف لم ينتبه أولئك الأكاديميون الذين كانوا يجلسون في مقابله إلى أن هذا الإمبراطور 'العظيم' كان يحارب و يقتل كل الشرقيين بلا استثناء و الدليل على ذلك أن الجيش الذي كان يقف على تخوم عاصمته المحاصرة، لم يكن يتشكل من المسلمين فقط، لقد كان من بين المحاصِرين أيضًا عدد كبير من المسيحيين الشرقيين الذين نالهم من صنوف 'عدالة' الكنيسة الغربية ما نالهم و ما تحفل به كتبهم إلى أيام الناس هذه.

لقد تحاشى 'قداسته' أن يعرج على ذكر اليهود مثلًا على الرغم من أن كل أجداده أجمعوا على أن دم يسوع في أعناقهم قبل أن يقدم سلفه على تبرئتهم منه في خطوة لها ما لها من المعاني على الرغم من أن كتبهم تقول أن يسوع إنما قتل ليفدي الناس بدمه من غير أن ينتبهوا، و لن نستدعي العقل هنا لأن له رأيًا آخر، إلا أنه من المنطقي أن يقتص له من يدعي الإيمان به من قتلته أم أن الظروف العالمية لا تسمح بذلك بمعنى أن الدين يصطدم بالعقل في هذا العصر؟ أليست هذه مشكلة عقلية عويصة أيضًا؟

كنا نود أن ينتبه البابا إلى أن الإسلام لم يكن السبب الذي لأجله اندلعت حربان كونيتان قتل فيما ما لا يقل عن الثمانين مليون إنسان. كنا نود أن ينتبه البابا إلى أن الإسلام لم يكن عقيدة أولئك الذين قرروا قصف مدينة هيروشيما و ناغازاكي في الوقت الذي كانت اليابان تستعد للاستسلام. كنا نود أن ينتبه 'قداسته' إلى أن الذين يرمون آلاف الأطنان من الحبوب و كل صنوف المأكولات في البحار في الوقت الذي تموت فيه الملايين جوعًا، ليسوا من المسلمين. ما كنا نود أن نصير مضطرين والعالم تسوده هذه النبرة المتعجرفة التي تميز صناع الحروب و تجار النفط الملوث بدماء أطفال المسلمين عبر العالم، إلى أن نطلب من 'قداسته' أن يحاول استقراء التاريخ من موقع منصف و متوازن لأننا كنا سذاجة، نعتقد أن الحبر الأعظم هو أبعد الناس في الغرب، عن الوقوع في مرمى سهام عرابي المآزق و الكوارث الإنسانية. الحقيقة أننا كنا نتمنى هذا و لكن خطاب جوزيف راتزينغر سابقًا، بينيدكت السادس عشر حاليًا، أثبت لنا أن كل شيء ممكن في منطق الحرب و المصالح العالمية التي لا تلتقي بالضرورة مع المصالح البشرية. فهل في وسعنا أخيرًا أن نضرب أخماسًا بأسداس و نقول إن الرجل هو فعلًا كما توقعته تقارير كثيرة نشرت حينما آلت البابوية إليه، رجل التقارب المسيحي اليهودي في أوروبا و أمريكا أو بعبارة أخرى:مُنَظر هرمجدون المنتظرة؟!

شيرين نصر**

الشيخ يوسف القرضاوي

لم يكد يمر عام على الإساءة التي وجهت إلى رسولنا الكريم محمد - صلوات الله وسلامه عليه- حتى أتت مأساة أفظع؛ وهي الإساءة مرة أخرى، وهذه المرة لم تكن من صحفي ولا جريدة بل صدرت من أكبر رجل دين في المسيحية، له مكانته العظيمة عند المسيحيين وكلمته التي لا ترد.

هذه الإهانات والإساءات التي يتعرض لها الدين الإسلامي ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - تتطلب وقفة من كل مسلم غيور على دينه، ويقع العبء الأكبر على الدعاة؛ حيث تقع على عاتقهم مهمة تحريك المسلمين في الاتجاه الصحيح والأمثل للرد على هذه الإساءات.

ومن هذا المنطلق جاءت خطب الجمعة اليوم 15-9-2006، منددة بما قاله بنديكت السادس عشر بابا الفاتيكان؛ فجاءت مطالبة باعتذار علني على ما صدر منه ضد ديننا وشريعتنا، ومحذرة من رد الفعل الذي سيقع من المسلمين في جميع أنحاء العالم.

عزتنا من عزة الله ورسوله:

حول هذا الأمر جاءت خطبة الدكتور يوسف القرضاوي اليوم من الدوحة؛ حيث استهل خطبته قائلا:"يبدو أننا المسلمون الذي بلغ عددنا مليارا ونصف المليار من البشر أصبحنا أمة من ورق ومن زجاج، نُرمى بالسهام والنبال من كل مشرق ومغرب ومن شمال وجنوب، فلم نفق من تلك الإساءة المتعمدة إلى نبينا محمد نبي الرحمة صلوات الله عليه، التي تمثلت في الرسوم الكاريكاتيرية التي قامت بها صحيفة دانماركية في العام الماضي وغضب لها العالم الإسلامي أجمع في كل مكان، ودافع عن نبيه محمد - صلوات الله وسلامه عليه- وعن الإسلام، وهذا من حقها؛ فالذليل هو من يقبل الذل، والأمة الإسلامية أعزها الله بالإسلام".

وأضاف فضيلته:"تشهد الأمة اليوم مأساة أخرى جديدة، لم يقم بها صحفي في جريدة..ولكن قام بها أعظم رجل دين في المسيحية، حبر المسيحية الأعظم، كما يسمونه بابا الفاتيكان، يهاجم الإسلام ودين الإسلام وعقيدته وشريعته، ونبيه- صلوات الله وسلامه عليه- بدون مبرر أو ضرورة تدعو إلى ذلك، فلن نقبل هذا".

وتساءل فضيلته:"هل أصبح دمنا مباحا؟! هل حمانا مستباح؟! هل استُحلت حرماتنا؟! وما الذي يحدث لأمة بهذا العدد؟ هل أصبحت غثاء كغثاء السيل، لا يحترمها أحد ولا يخافها أحد، فهذا الشيء لا يسكت عليه ولا يصبر عليه، فهذا الذل لا يقبله الإسلام، فنحن أمة عزيزة أعزها الله بالإسلام، وعزتنا من عزة الله وعزة الإسلام، فنحن نفخر برسالة محمد ونشرف بها، وعبادتنا لله وحده، ونركع ونسجد له؛ فلم يراع بابا الفاتيكان لهذه الأمة حرمة، وقال ما قال في محاضرة في إحدى جامعات ألمانيا".

رسالتنا عالمية خالدة

بابا الفاتيكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت