فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 321

والكل يتذكر كيف توالت الانهيارات التي شهدها المعسكر الشرقي ابتداء من بولندا وانتهاء بيوغسلافيا، وكيف استعادت المسيحية دورها من جديد، وكيف انضم نصارى أوروبا الشرقية إلى إخوانهم نصارى أوربا الغربية تحت لواء أوروبا الموحدة، وكيف يتم التأكيد مرة بعد أخرى على أن المسيحية هي الدين المهيمن في أوربا الموحدة، وكيف يعارض كثير من ساسة أوروبا انضمام تركيا؛ لأنها ليست مسيحية، وهو ما يشكل إدخال عنصر غريب في الجسم المسيحي الأوروبي، كما يؤكد ذلك رجالات الكنيسة وكثير من ساسة أوروبا من أصحاب القرار.

تبرئة يهود من دم المسح، وتعاطف مع إسرائيل:

أما فيما يتعلق باليهود فإن يوحنا بولس الثاني ما كاد يقضي الثلاث سنوات في منصبه حتى أعلن في عام 1982 الاعتراف بدولة إسرائيل من باب الحق الديني. ثمّ قام البابا بتغيير جذري في مفاهيم الكنيسة يتناسب مع التطورات والتغييرات التي قام بها منذ اعتلائه كرسي الفاتيكان، فأصدر الفاتيكان عام 1985 وثيقة حول"العلاقات الكاثوليكية اليهودية"، وحثّت الوثيقة جميع الكاثوليك في العالم على استئصال رواسب العداء للسامية وذكّرتهم أن المسيح عبراني أيضًا، ولذلك يجب تفهّم تمسّك اليهود بأرض أجدادهم.

واستمر هذا التغيير الدراماتيكي في موقف الكنيسة من اليهود إلى أن حصلت خطوة أخرى تؤكد الصلة الوثيقة بين ماضيه المتصل باليهود وقراراته المناصرة لهم وللصهيونية، وبين التساؤلات المثارة حول من دفع به إلى زعامة الفاتيكان، فقام في عام 1986 بزيارة كنيس يهودي في روما ليكون بذلك أوّل بابا في تاريخ الباباوية يزور كنيسا يهوديا، ثمّ قدم اعتذارًا خطّيًا وشفهيًا عما يسمى"بالهولوكست اليهودي"عبر الوثيقة الصادرة عن الفاتيكان في 16/3/1998، وجاء فيها:"عندما طردت النازية من أراضيها جموع اليهود ووحشية الحركات العنيفة التي أصابت أناسًا عُزَّلا من السلاح، كل هذا كان يجب أن يحرك الشك بما هو أسوأ، هل قدم النصارى كل مساعدة ممكنة للمطاردين وبخاصة اليهود؟ لا نستطيع أن نعرف كم عدد النصارى في الدول التي احتلتها أو حكمتها القوى النازية أو حلفاؤها، احتجوا بغضب على فقدان جيرانهم اليهود، ولم يكونوا شجعانًا بما فيه الكفاية لسماع أصواتهم المعارضة، وللنصارى أقول: إن هذا الحمل الثقيل الجاثم على ضمائرهم بخصوص إخوانهم وأخواتهم خلال الحرب العالمية الأخيرة يجب أن يكون مدعاة للندم".

وفي الحقيقة فإن هذا يعتبر تواصلًا مع ما أصدره الفاتيكان سنة 1965، من وثيقة"تبرئة اليهود من دم المسيح"بعد ضغوط كبيرة من اليهود والصهيونية العالمية التي ضغطت بشكل كبير على الكنيسة بمساعدة الولايات المتّحدة وأوروبا، خاصّة فيما يتعلّق باتّهام الكنيسة بالتواطؤ مع النازية التي افتعلت"الهولوكوست"كما يدّعون. وقد كان يوحنا بولس الثاني أحد أهم الذين صاغوا تلك الوثيقة ويعتبر من مهندسيها.

وفي سنة 1991 صرح يوحنا بولس الثاني بأنه يصلّي من أجل أن يحيا"إخوتنا اليهود"بسلام في أرضهم. ثم في كانون أول من عام 1993 وقّع الفاتيكان وثيقة تبادل دبلوماسي مع دولة إسرائيل، وفي نهاية عام 1997 قدم البابا يوحنا بولس الثاني وثيقة بعنوان (نحن نتذكر) لمناقشة وتعديل النصوص في العهد الجديد التي تحمّل اليهود مسؤولية صلب المسيح وقصة تلاميذ المسيح بصفة خاصة، وكان يشير إلى مثل النص الإنجيلي القائل لليهود على لسان المسيح - عليه السلام:"أيها الشعب الغليظ الرقبة، يا أولاد الأفاعي، يا أبناء الشيطان، أنتم لستم من أبناء إبراهيم، أنتم أبناء الشيطان"إلى أنه معاداة للسامية، فعمد إلى طمسه.

خاتمة: من بابا جدار برلين إلى بابا ما بعد 9/11

هذان أهم إنجازين حققهما البابا يوحنا بولس الثاني طيلة تربّعه على الكرسي البابوي للكنيسة الكاثوليكيّة، غير أن هذا لا ينسينا ما قام بإنجازه على مستوى توحيد الكاثوليك في العالم بطريقة لم يسبق لها مثيل، واسترجع دور الكنيسة ومكانتها، كما أنه عمل على الاعتراف بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ووصفه بأنه نبي، وأن القرآن موحى إليه وليس من تأليفه، بعدما كان النصارى يرون النبي - صلى الله عليه وسلم - مهرطقًا في كتبهم الكنسيّة على مدار التاريخ، ابتداء من يوحنا الدمشقي إلى جيري فالويل الأمريكي الذي يقود التيار المسيحي المتصهين اليوم.

كما أنه ساهم في نشر المسيحية في العالم الاسلامي والعالم أجمع بطريقة رهيبة من خلال شعار المحبة والتسامح، وهذه أخطر الإستراتيجيات التي رسمها الفاتيكان ويوحنا بولس الثاني على رأسه.

بقي أن نقول في الأخير: إن الغرب يعرف كيف يصنع زعاماته وينيط بها أدوارًا تاريخية من أجل تحقيق أهدافه الحضارية دينية كانت أم سياسية أم اجتماعية أم ثقافية. ولذلك فإنهم الآن يحضّرون لبابا جديد يتلاءم مع ما بعد 11سبتمبر والملفات الشائكة التي أفرزتها التغيرات الكبرى التي حدثت بعد سقوط المعسكر الشرقي، وتوحّد أوروبا، والحرب على الإرهاب، والصراع على القدس، والحفاظ على هوية أوروبا المسيحيّة وتضمينها الدستور الأوروبي، والحوار بين الأديان، وخاصة مع الإسلام والمسلمين، واليمين المسيحي المتصهين (البروتستانتي الإنجيلي خاصة) .

23 صفر 1426هـ الموافق له 3 أبريل 2005 م

أعلن الفاتيكان مساء يوم السبت 2/4/2005 موت زعيم النصارى الكاثوليك في العالم, البولندي الأصل 'كارول فويتيلا' والمعروف باسم [البابا يوحنا بولس الثاني] .

ويوحنا المولود عام 1920 بالقرب من مدينة كراكو البولندية، هو البابا الأول غير الإيطالي منذ البابا أدريانوس السادس [1522- 1523م] ، كما يعتبر أصغر بابا في القرن العشرين، حيث تولى البابوية عام 1978، وكان عمره آنذاك 58 عامًا.

وقال الفاتيكان في بيان: إن البابا الذي بلغ من العمر 84 عامًا، ورأس الكنيسة الكاثوليكية على مدى 26 عامًا توفي في الساعة 9.37 مساء بالتوقيت المحلي في مقر سكنه الخاص.

وأعلن نبأ وفاة البابا على الفور على حشود ضخمة تجمعت في ميدان 'القديس بطرس' في الفاتيكان، حيث أقيمت صلوات على أضواء الشموع.

وبحسب دستور الفاتيكان الصادر في 1996 فإن القداس الديني الجنائزي عند وفاة البابا يجب أن يتم على مدى 9 أيام، على أن يتم الدفن ما بين اليوم الرابع واليوم السادس الذي يلي الوفاة، كما يقضي بدفن جثمانه في سرداب أسفل كنيسة 'القديس بطرس'، إلا إذا حددت وصية الدفن مكانًا آخر أو طريقة مغايرة.

تدهور صحته [البابا الأبكم] :

وكان يوحنا قد نقل مؤخرًا مرتين إلى المستشفى بعد أن أصيب بمشاكل في التنفس ازدادت سوءًا بسبب إصابته بمرض الشلل الرعاش، ثم خضع لجراحة في الحنجرة 'فبراير الماضي' للتخفيف من مشكلات التنفس التي كان يعاني منها، مما سبب له صعوبات في النطق والكلام بعد العملية، خاصة بعد تركيب جهاز في الرقبة لتسهيل التنفس.

وفور الإعلان عن العملية أكدت الصحافة الإيطالية الصادرة السبت 26/2/2005 أن الفاتيكان والكنسية الكاثوليكية تستعدان لاستقبال بابا أبكم، وذكرت صحيفة 'كوريا ديلا سوريا' أن الفاتيكان يستعد لبابا لا يتكلم، مشيرة إلى أنه دون نقاش لن يتخل البابا عن مهامه حتى وإن أصبح أبكم نهائيًا، كما ذكرت صحيفة 'الميساجيرو' إلى أن البابا يستطيع الإدارة من خلال القيام بالإشارة، فيما نوهت صحيفة 'لا ريبوليك' إلى قيام 'البابا بنظام صامت'.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت