ويضرب الدكتور (محمد عمارة) المفكر الإسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامي مثالًا على هذا الخلل في عمل لجنة حوار الأديان الأزهرية بما نتج عن بعض هذه الحوارات من أخطاء مثل الكشف عما سمي"وثيقة التبشير"في أبريل الماضي 2006 بعدما كشف الدكتور يوحنا قلتة نائب بطريرك الأقباط الكاثوليك عن توقيع الأزهر الشريف وثيقة مع عدد من القساوسة ممثلين لمنظمات مسيحية عالمية العام الماضي 2005؛ تدعو لحرية التبشير لأتباع جميع الديانات السماوية بين المواطنين في مصر، وإن (شيخ الأزهر) الدكتور محمد سيد طنطاوي والشيخ فوزي الزفزاف (رئيس لجنة الحوار بين الأديان السابق) قاما بالتوقيع على الوثيقة في أبريل عام 2005 الماضي أثناء زيارة وفد منظمة سفراء السلام!
ويشير د. عمارة إلى أن جانبًا ممن شاركوا في لجنة الحوار لم يكونوا أبدًا من علماء الأزهر، أو حتى على دراية بمقارنة الأديان، كما قاد الحوار من ليس لديهم دراية بالآخر وعقيدته وفكره، و"لهذا لم تكن نتيجة الحوار في صالحنا"، وجاء الحوار خادعًا في بعض الأحيان لتمرير وثائق تبشيرية، والأخطر أن أعمال هذه اللجنة لا تعرض على مجمع البحوث الإسلامية بما يخالف قانون الأزهر الصادر سنة 1961 والذي يجعل من المجمع مشرفًا على كل أنشطة الأزهر لما به من علماء ذوي خبرة في مختلف المجالات.
ويشير الدكتور محمد رأفت عثمان (الأستاذ بجامعة الأزهر، وعضو مجمع البحوث الإسلامية) إلى مسألة أخرى هامة تتعلق بإساءات البابا والحوار هي أن السياق الذي جاء فيه كلام البابا يوضح أنها جاءت في إطار الإساءة العامة للإسلام، والكراهية الدفينة لهذا الدين من قيادات الغرب الدينية والسياسية مثل تصريحات بوش، ما يؤكد أن ما قيل جاء في إطار التوجه السياسي العام السائد ضد المسلمين، فالفاتيكان برأ اليهود من تهمة قتل المسيح، و"السياسة"جعلتهم يبرئونهم من ذلك.
ويكشف الدكتور مصطفى الشكعة (عضو لجنة حوار الأديان السابق) أن لجنة الحوار قطعت شوطًا ليس بالقليل في مهمتها، بيد أن أعمالها تأثرت بشدة - قبل أن يجمد الأزهر مشاركته - بسبب تعصب رئيس وفد الفاتيكان الأفريقي الجنسية، وأنه لم ينقذها من الفشل سوى نائب رئيس الوفد الفاتيكاني الفرنسي الجنسية الذي كان أكثر تسامحًا.
ويقول أن اللجنة ليست منوطة بالحوار فقط مع الفاتيكان، ولكنها مخولة بالحوار الأزهري مع"الأخر"إجمالًا، ومع هذا فهي"شكلية أكثر منها فعلية"، رغم أن أعضاءها من الطرفين مشهود لهم بحسن الخلق!.
أيضًا اشتكي بعض علماء الأزهر ممن شاركوا في هذه الحوارات من سوء الإعداد، وسوء انتقاء من يمثلون الأزهر فيها، في حين يكون الطرف الآخر مستعدًا لهذه اللقاءات بصورة جيدة، الأمر الذي من شأنه أن يقلل من قيمة الحوارات، ولا يؤتي الثمرة المرجوة منها وهي التقريب بين الأديان.
وفي هذا السياق طالب الدكتور (سيد الشاهد) - مستشار وزير الأوقاف المصري، وأول من شارك في اجتماعات الحوار الإسلامي المسيحي -"التدقيق من قبل الأزهر في اختيار من يمثلونه في هذه الحوارات"؛ بحيث يكونون من ذوي الثقافة العالية، والإطلاع على ثقافة الغرب وحضارته، مع عدم اختيار المعجبين بهذه الثقافة، والذين تلقوا تعليمهم في الغرب، وتبهرهم حضارته.
كما أكد الشيخ (عبد الخالق نصير) - أحد العلماء المشاركين في لجنة الحوار بين الأديان من الأزهر - أن المسلمين المشاركين في هذه الحوارات لا يعرفون مسبقًا ماذا سيناقشون فيها؛ وبالتالي لا يكونون مستعدين بما فيه الكفاية؛ إننا لا نعرف ماذا سنناقش؟!، ولا من نناقشه ونحاوره؟!، ولا الموضوعات التي سيتم مناقشتها؟! ولا نعد الأبحاث لذلك، لأنه لا يتم إخبارنا بذلك إلا قبل الموعد بيوم وأحد فقط أو يومين على الأكثر!! مما لا نستطيع معه إعداد الأبحاث المطلوبة وهو الأمر الذي يجعل موقفنا ضعيفًا أمام الطرف الآخر!.
كذلك قال الشيخ (سيد أبو الوفا عجور) (أمين عام مجمع البحوث، وأحد المشاركين في لجنة الحوار) : إن الجلسات والمناقشات السابقة كانت تتم تحت رعاية الشيخ فوزي الزفزاف (وكيل الأزهر، ورئيس اللجنة السابق) وهي عبارة عن تعارف بالآخر، وبحضارته وقيمه، وليست انتصارًا لقيم معينة.
وفي هذا السياق أيضًا دعا برلمانيون مصريون لقطع العلاقات مع الفاتيكان، وطرد سفيره، وسحب سفير مصر في روما، ووقف الحوار الديني معه ما لم يقدم بابا الفاتيكان اعتذارًا واضحًا عن إهانته للإسلام ورسوله، حيث اتهم برلمانيون في لجنة الشؤون الدينية بمجلس الشعب من نواب الحزب الوطني وجماعة الإخوان المسلمين الفاتيكان بالإساءة للإسلام، ووصف بعض النواب رد فعل شيخ الأزهر بالضعيف والمتخاذل نحو تصريحات بابا الفاتيكان المسيئة للإسلام ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وأصدرت اللجنة الدينية بيانًا طالبت فيه الحكومة المصرية بطرد سفير الفاتيكان من القاهرة، وسحب السفير المصري من روما؛ إذا لم يقدم البابا اعتذارًا صريحًا وواضحًا عن هذا الخطأ، وكذلك حذف الفقرات المسيئة من محاضرته.
"العقيدة"مستثناة من الحوار:
ومع أن الاتفاقية الخاصة بالحوار بين الأزهر والفاتيكان مستثناة من مسألة العقيدة؛ حيث ينص الاتفاق بينهما على ألا يقترب الحوار من مسألة العقيدة، ويتوقف فقط على الفضائل المشتركة، والعمل على نشر هذه الفضائل؛ فقد اشتكى بعض من شارك في جلسات حوار سابقة من أن طريقة حديث نواب الفاتيكان في هذه الحوارات لا تخلو من الحديث عن العقيدة بشكل مستتر ومستفز، ومستغل للحوار بهدف تحقيق أي اختراق للمسلمين تحت مزاعم الحوار.
وقد بدأ عمل لجنة الحوار بين الأديان بالأزهر الشريف فعليًا في أبريل عام 1994 في عهد الإمام الراحل الشيخ جاد الحق عندما كان يُعالج في سويسرا، حيث جرى لقاء مع الفاتيكان بجهد من الدكتور"علي السمان"، وعندما تولى الشيخ د. محمد سيد طنطاوي مشيخة الأزهر أخذ الحوار الشكل الجدي، وصدر قرار من الشيخ طنطاوي بتشكيل لجنة دائمة بالأزهر الشريف للحوار بين الأديان.
وكان أول اتفاق يدخل ضمن حوار الأديان بين الأزهر والفاتيكان هو ذلك الذي جرى توقيعه في عام 1998 مع الفاتيكان، وتلاه ثان في يناير 2001 مع الكنيسة البريطانية، وبلغ التعاون بين الأزهر والكنيسة الأوروبية لتوقيع (اللجنة الدائمة للأزهر لحوار الأديان السماوية) اتفاق تعاون مع الكنيسة الإنجليكانية 30- 1- 2002 يقضي بالعمل سويًا لتحقيق كرامة الإنسان في العالم، حيث وقع الاتفاق عن الأزهر الشيخ فوزي الزفزاف (رئيس اللجنة الدائمة لحوار الأديان السماوية سابقًا) ، والدكتور علي السمان"نائب رئيس اللجنة الذي استقال منها مؤخرًا، بينما وقع القس"كريستوفر لامب"، والمطران"منير حنا أنيس"أسقف مصر وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي عن الكنيسة الإنجليكانية، وجرى التوقيع في حضور الدكتور محمد سيد طنطاوي (شيخ الأزهر) ، وجورج كاري (كبير الأساقفة، والرئيس العام للكنيسة الإنجليكانية) في ذلك الحين."
إصرار على رفض الاعتذار عن الحروب الصليبية:
ويلفت علماء إلى أنه رغم تراجع الفاتيكان وإصداره وثيقة يبرئ فيها اليهود (رغم قناعة المسيحيين في العالم بأنهم ليسوا أبرياء) ؛ فقد رفض الفاتيكان بإصرار غريب الاعتذار عن فظاعات الحروب الصليبية سواء في عهد البابا السابق الذي وصف بالاعتدال، أو الحالي الأكثر تطرفًا، رغم مطالبة الأزهر للفاتيكان بإدانة الحروب الصليبية الغربية في العالم الإسلامي عدة مرات.