في أثناء التحضير لزيارة البابا، رفض كل من الأساتذة والعلماء والشيوخ الكبار استقباله، وعلى رأسهم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الذي كان له دور أساسي في"التراجع"عن الصلاة الجماعيّة التي أعلنت في البداية ثم ألغيت، ويذكر البعض أن الدكتور البوطي أبلغ"الجهات المسؤولة"مباشرة، بأن هذه الصلاة تهدد الوحدة الوطنية، وتهدد بفتنة تسيء للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في هذه البلاد.
هذا فيما دوَّت في كلية الشريعة فتوى للدكتور"وهبة الزحيلي" (الفقيه المعروف) بعدم جواز حضور صلاة البابا في ملعب العباسيين"للفرجة"أو المشاهدة. إذًا فقد بقيت المهمة متعلقة بأحد أبرز الشيوخ في الشام، وهو مفتي الجمهورية الشيخ"أحمد كفتارو".
اجتمع الشيخ"كفتارو"مع تلامذته للإعداد للزيارة، وناقش معهم ماذا نقول له في المسجد الأموي؟ وماذا نقدم له هديةً تذكارية؟
وبطبيعة الحال كان هدف الزيارة الرسمي يفرض الصبغة السياسية على الزيارة وهو الأمر الذي تشاور فيه فبدأ منه كمسلَّمة، وانتهى إليه كذلك! فاتفق الجميع على أن يأخذ الحديث منحى سياسيًا.
ليس هذا غريبًا بالطبع، ولكن"الطريف"في الحدث أنه عندما استشارهم في"الهديَّة"التي يجب أن تقدم برتوكوليًا للبابا، اقترح بعضهم اقتراحًا شديد الغرابة يتلخص في أن تكون الهدية"لوحة نحاسية كبيرة للمسجد الأموي"مكتوبًا عليها عبارة تشير إلى التسامح والعيش المشترك!!.
وفورًا تنبه البعض إلى أن هذا بمثابة تقديم رمزي للأموي، الذي يحضر الآن بقوّة على أنه كان كنيسة! ورفض الجميع هذه الفكرة، ولم يلبث أن طُرح عليهم أن تكون اللوحة النحاسية هي"المسجد الأقصى"تحفر عليها عبارة"القدس قبلة جهادنا"، وهي بطبيعة الحال تتناسب مع الصبغة السياسية التي يريد"كفتارو"أن تكون للزيارة، انسجامًا مع الجهات العليا، وهو ما تمّ فعليًا.
في مساء (يوم الأحد) الذي أقام فيه البابا"قداسًا"في استاد ملعب العباسيين، وحضره خليط من المسيحيين والمسلمين، دخل البابا المسجد الأموي. وعند دخوله"طُلب"من البابا خلع حذائه، وركزت المحطات التلفزيونية على هذه"القضية"، وخصوصًا قتاة (cnn) (الأمريكية) . وزير الأوقاف في كلمته الافتتاحية الترحيبية ركز على القضية السياسية، والوحدة الوطنية، ولم تختلف كلمة الشيخ"كفتارو"في مضمونها عن كلمة وزير الأوقاف محمد زيادة.
ومما قاله"كفتارو":"اليوم يرى العالم وللأسف الشديد ـ المجازر بنظرة المتفرج الذي لا حول له ولا قوة؛ تهدم البيوت، وتقلع الأشجار، ويهجّر الأبرياء، ويقتل المئات من الأطفال والنساء والرجال ويصاب بالجراح الآلاف، وتنتهك حرمات المساجد والكنائس على السواء، ويعم الخراب كل شيء على أيدي الإسرائيليين، (...) إننا نتطلع إلى موقف أكثر فاعلية، أكثر من الصلوات والدعاء والأمنيات، نتطلع إلى موقف عملي، من قبل كل الشرفاء ومحبي السلام وأتباع الأديان لوقف هذه المجزرة الوحشية، بحق أبناء المسيح وأبناء محمد عليهما السلام على أرض الخيرات فلسطين..."
ونحن نرغب إلى الكنيسة الكاثوليكية في العالم وعلى رأسها فخامة البابا،... ونرْغب إلى كل الحكومات المسيحية في العالم الغربي أن يقفوا موقفًا لنصرة العدالة وإعفاء ظلم الصهاينة، والضغط على إسرائيل بكل الوسائل لوقف عدوانها الغاشم، وهذا أقل ما يمكن أن تقدمه المسيحية في العالم وفاءً للمسيح عليه السلام"."
في كلمته"الخطيرة"ركز البابا على أن"أرضكم عزيزة على قلب المسيحيين، فهنا عرفت ديانتنا [المسيحية] مراحل حيوية من نشأتها ومن نموها العقائدي، وهنا عاشت جماعات مسيحية عيش سلام وحسن جوار مع المسلمين على مدى القرون ، نلتقي بالقرب مما يعتبره المسيحيون والمسلمون ضريح يوحنا المعمدان، المعروف بـ"يحيى"في التقليد الإسلامي."
إن ابن زكريا هذا وجه كبير الأهمية في تاريخ المسيحية؛ لأنه كان السابق الذي أعد طريق المسيح. إن حياته المكرسة بالكامل للرب تكللت بالاستشهاد، فعسى أن تنوِّر شهادته جميع الذين يكرمون ذكراه في هذا المكان.
كان واضحًا أنَّ البابا في كلمته يركز بطريقة ما على"قداسة هذا المكان بالنسبة للمسيحيين"ومن المهم هنا الانتباه إلى أن البابا مع ذلك لم يذكر قطُّ أن المسجد كان كنيسة في جزء منه، لقد كان البابا على إدراك تام بالمطلب الإسلامي الملح في الاعتذار عن الحروب الصليبية، ولذلك جاء في كلمته ردٌّ مبطن على هذا الطلب في سياق الحديث عن ضرورة أن يكون الحوار بين الإسلام والمسيحية، أكثر فعالية. الردّ على هذا الطلب في الكلام الآتي:"علينا أن نطلب الغفران من القادر على كل شيء، عن كل مرّة أهان فيها المسلمون والمسيحيّون بعضهم بعضًا، كما علينا أن يغفر بعضنا لبعض.. يعلمنا يسوع أنه يجب أن يغفر بعضنا لبعض إذا أردنا أن يغفر الله خطايانا".
إذًا فالبابا يرى أننا أهنّا المسيحيين، وبالتالي لا داعي للاعتذار لنا، لأنه يتوجب علينا أيضًا أن نعتذر لهم، ولكن متى كانت هذه الإهانات؟ هل يقصد البابا بذلك"الفتح الإسلامي"؟
في مؤتمر حول"العيش المشترك والتوترات الدينية في المنطقة العربية"العام الفائت، طرحت مسألة الحوار بين المسيحية والإسلام، فقلت وقتها إن علينا أن لا نفكر بأي حوار"رسمي"يفضي إلى تقارب الأديان ووحدتها، وإن علينا بدلًا من ذلك أن نتحاور عن العلاقات السياسية والاجتماعية، حيث يبدو الحوار ممكنًا، وأن الحوارات التي تتناول المجال العقدي لا ينبغي أن تكون حوارات تقوم بها مؤسسات رسمية، بل يجب أن تكون حوارات فردية. وإذا كان من الضروري البدء بحوار من هذا القبيل فلابد من إتمام تسوية"نفسيّة"بين المسلمين والمسيحيين عمومًا، وبالتالي فإنه يجب أن يعتذر البابا عن الحروب الصليبية التي تركت آثارها وطرحتها بعمق على العالم الإسلامي.
ولم يلبث بعض المشاركين في المؤتمر من المسيحيين الكاثوليك حتى قالوا: وعليكم أولًا أن تعتذروا عن"الفتح الإسلامي !".
وقبل المضي فيما أضمره البابا من هذه القضية، فإنه من المناسب أن نذكر موقفًا غريبًا، في زيارة المسجد الأموي لبعض الشيوخ... فبينما كان أحد القساوسة يتكلم، رُفع الأذان، فأشار البابا له كي يتوقف عن الكلام احترامًا للمشاعر الدينية، لكن القس تابع معتذرًا عن ذلك أنه بقي اليسير جدًا من الكلام الذي لا داعي لتأخيره.. قد يكون ذلك مغفورًا بطبيعة الحال، ولكن أن يستلم بعده مكبر الصوت"شيخ"ويتابع الكلام والمؤذن يؤذن فذلك ما يستدعي الدهشة .
نعود لقضية الفتح ومقابلتها بالحروب الصليبية (كما يفهم من كلام البابا المضمر ) كان من الأفضل للبابا أن يقرأ التاريخ جيدًا، ويتخلص من عقدته الاستشراقية التي أسست لحروبهم الصليبية، والتي في جوهرها أن الإسلام انتشر بالسيف ، ولكن التاريخ وبعيون غربية (غوستاف لوبون مثلًا في كتابه حضارة الغرب) يثبت أن الإسلام لم يكن ينتشر بالسيف والقهر، ولكن بالدعوة وحدها، وليس من الغلو القول بأن الإسلام لم يكتف بالدعوة إلى التسامح الديني، بل تجاوز ذلك ليجعل التسامح في الإسلام جزءًا من شريعته وعقائده.