فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 321

ونحن نشهد الآن انسجامًا يثير الدهشة بين البابا الحالي بندكتوس السادس عشر، والقيصر الحالي بوش الثاني، علينا أن ننظر في هذه الخلفية إلى خطاب البابا الذي أثار ضجة عالمية على أنه يندمج في الحملة الصليبية التي يقودها بوش ضد"الفاشية الإسلامية"في إطار"صراع الحضارات".

في خطابه الذي ألقاه في جامعة ألمانية أراد البابا أن يثبت أن هناك فرق جوهري بين المسيحية والإسلام، فبينما ترتكز المسيحية على المنطق، فإن الإسلام ينكره، وبينما يرى المسيحيون منطقًا في أعمال الله، ينكر المسلمون أية منطق في أعمال الله.

بصفتي ملحد يهودي - أنا لا أنوي أن أقحم نفسي في هذا النقاش -، من أنا لأتتبع منطق البابا، غير أني غير قادر على التزام الصمت حيال مقطع واحد من خطابه متعلق بي كإسرائيلي يعيش إلى جانب خط الجبهة في"حرب الحضارات".

لكي يثبت انعدام وجود المنطق في الإسلام يدعي البابا أن النبي محمد قد أمر أتباعه بنشر دينه بقوة السيف، وهذا أمر غير منطقي لأن الروح هي مصدر الإيمان وليس الجسد، وكيف يمكن للسيف أن يؤثر على الروح؟

لتدعيم أقواله اقتبس البابا أقوالًا أدلى بها قيصر بيزنطي بالذات وهو من أتباع الكنيسة الشرقية المنافسة، في أواخر القرن الرابع عشر روى القيصر عيمانوئيل الثاني عن نقاش أجراه على حد زعمه (هذا الأمر مشكوك فيه) مع مثقف فارسي مسلم مجهول، وفي خضم النقاش قال القيصر بخشونة (على حد قوله) أمام شريكه في الحديث:"أرني شيئًا جديدًا أتى به النبي محمد، وسترى أشياء سيئة وغير إنسانية فقط مثل نشر دينه بقوة السيف."

تثير هذه الأقوال ثلاثة أسئلة: لماذا قالها القيصر؟ وهل هي صحيحة؟ و لماذا كررها البابا الحالي؟

عندما سجل عيمانوئيل الثاني هذه الأقوال كان مليكًا على إمبراطورية آفلة، لقد استلم السلطة عام 1391 على ما تبقى من محافظات قليلة من الإمبراطورية العظيمة، ولقد هدده الأتراك باحتلال هذه المناطق أيضًا في أي لحظة.

في تلك الفترة كان الأتراك قد وصلوا إلى ضفاف الدانوب، لقد احتلوا بلغاريا وشمال اليونان، وهزموا الجيوش التي أرسلتها أوروبا مرتين بهدف إنقاذ القيصرية الشرقية، وفي عام 1452 بعد بضع سنوات فقط من موت عيمانوئيل احتل الأتراك عاصمته القسطنطينية (اسطنبول) ، وأسقطوا الإمبراطورية التي دامت أكثر من ألف سنة.

في أيام حكمه تجول القيصر عيمانوئيل في عواصم أوروبا طلبًا للمساعدة، لقد وعد بتوحيد الكنيسة من جديد، لا شك أنه كتب القصص عن نزاعاته الدينية ليثير حفيظة أوروبا ضد الأتراك، وليقنعها بالخروج إلى حملات صليبية جديدة، كانت نيته سياسية وما كانت اللاهوتية إلا لخدمة السياسة.

إن الأمور من هذه الناحية تتوازى مع احتياجات القيصر الحالي جورج بوش، فهو أيضًا يحاول توحيد العالم المسيحي ضد"محور الشر"الإسلامي، إضافة إلى ذلك فإن الأتراك أيضًا يطرقون باب أوروبا هذه المرة بوسائل سلمية، ومن المعروف أن البابا يعارض القوى التي تطالب بانضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي.

لكن هل هناك حقيقة في ادعاء القيصر عيمانوئيل؟

لقد شكك البابا ذاته بأقواله، كلاهوتي جدي له سمعته لا يمكنه أن يسمح لنفسه بتزييف ما هو مكتوب، لذلك ذكر أن النبي محمد قد منع في القرآن بشكل واضح نشر الدين بقوة السيف، اقتبس عن سورة البقرة، الآية 256 (صحيح أن البابا لا يخطئ ولكنه أخطأ هنا: لقد قصد الآية 257. جاء فيها:"لا إكراه في الدين!") .

كيف يتجاهلون قولًا بسيطًا وقاطعًا إلى هذا الحد؟ يدعي البابا أن هذه الآية قد كتبت في بداية طريق محمد، بينما كان يفتقر إلى القوة، ولكن مع مرور الوقت أمر باستخدام السيف من أجل الدين، لا يوجد لمثل هذه الوصية أي ذكر في القرآن، صحيح أن النبي محمد قد دعا إلى استخدام السيف في معاركه ضد خصومه من القبائل - المسيحيين واليهود - في شبه الجزيرة العربية عندما أسس دولته، غير أن هذا كان عملًا سياسيًا وليس دينيًا، معركة على الأرض وليس على بسط الدين.

يسوع المسيح قال:"تعرفونهم من ثمارهم"، علينا أن ننظر إلى تعامل الإسلام مع الديانات الأخرى حسب اختبار بسيط: كيف تصرفوا خلال أكثر من ألف سنة بينما كانت القوة بين يديهم، وكان بمستطاعهم"نشر دينهم بقوة السيف"، هم لم يفعلوا ذلك.

لقد سيطر المسلمون على اليونان طيلة مئات السنين، هل اعتنق اليونانيون الإسلام؟ هل حاول أي شخص إدخالهم في الإسلام؟ على العكس لقد شغل اليونانيون وظائف كبيرة في الحكم العثماني، كما أن الشعوب في أوروبا المختلفة مثل البلغاريين، الصرب، الرومانيين، الهنغاريين؛ الذين عاشوا فترات طويلة تحت حكم الأتراك قد تشبثوا بدينهم المسيحي، إن أحدًا لم يجبرهم على اعتناق الدين الإسلامي، وظلوا مسيحيين متدينين.

لقد أسلم الألبان وكذلك البوسنيون، ولكن أحدًا منهم لا يدعي بأنهم قد أكرهوا في ذلك، لقد اعتنقوا الدين الإسلامي ليكونوا محببين إلى السلطة، وليتمتعوا بخيراتها، في عام 1099 احتل الصليبيون القدس وذبحوا سكانها المسلمين واليهود من دون تمييز، وكانت هذه الأمور تنفذ باسم يسوع طاهر النفس، في تلك الفترة وبعد 400 سنة من احتلال المسلمين للبلاد ما زال معظم سكان البلاد من المسيحيين، طيلة كل تلك الفترة لم تجر أية محاولة لفرض دين محمد على السكان، بعد أن طُرد الصليبيون من البلاد فقط بدأ معظمهم بتبني اللغة العربية، واعتناق الدين الإسلامي، - وكان معظم هؤلاء هم أجداد الفلسطينيين في أيامنا هذه -.

لم تُعرف أية محاولة لفرض دين محمد على اليهود، لقد تمتع يهود أسبانيا تحت حكم المسلمين بازدهار لم يسبق له مثيل في حياة اليهود حتى أيامنا هذه، شعراء مثل يهودا هليفي كانوا يكتبون باللغة العربية، كذلك الحاخام موشيه بن ميمون (الرمبام) ، كان اليهود في الأندلس المسلمة وزراء، شعراء، علماء، لقد عمل في طليطلة المسلمة يهود ومسيحيون ومسلمون معًا على ترجمة كتب الفلسفة والعلوم اليونانية القديمة، لقد كان ذلك"عصرًا ذهبيًا"بالفعل.

كيف كان لهذا أن يحدث كله لو كان النبي محمد قد أمر أتباعه"بنشر الإيمان بقوة السيف"؟

ولكن المهم هو ما حدث لاحقًا، حين انتزع الكاثوليكيون أسبانيا من أيدي المسلمين، فقد بسطوا فيها حكمًا من الإرهاب الديني، لقد وقف اليهود والمسلمون أمام خيار قاس: اعتناق المسيحية أو الموت أو الهرب، وإلى أين هرب مئات آلاف اليهود الذين رفضوا تغيير دينهم؟ لقد استقبل معظمهم على الرحب والسعة في الدول الإسلامية، لقد استوطن"يهود الأندلس"في المغرب والعراق وبلغاريا (تحت حكم الأتراك آنذاك) ، وفي الشمال وحتى السودان في الجنوب، لم تتم ملاحقتهم في أي مكان، لم يواجهوا هناك أي شيء يضاهي تعذيب محاكم التفتيش، لهيب المحارق، المجازر والطرد الذي ساد في معظم الدول المسيحية حتى حدوث الكارثة.

لماذا؟ لأن محمد قد منع بشكل واضح ملاحقة"أهل الكتاب"، لقد تم تخصيص مكانة خاصة في المجتمع الإسلامي لليهود وللمسيحيين، لم تكن هذه المكانة مساوية تمامًا، ولكنها كادت تكون كذلك، كان يتوجب عليهم دفع جزية خاصة، ولكنهم قد أعفوا من الجيش مقابلها - وهذه الصفقة كانت مجدية جدًا لليهود -، يقولون أن الحكام المسلمين قد عارضوا محاولات إدخال اليهود في الإسلام حتى بالوسائل اللطيفة لأن هذا الأمر كان منوطًا بخسارة عائداتهم من الضرائب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت