فهل خانت البابا الذاكرة فلم يذكر جموع من التنصيريين تجوب كردستان العراق إثر حرب قال عنها الرئيس الأمريكي جورج بوش: إنها"حرب صليبية"، وهل نسي أن قوات الاحتلال الإسبانية التي توجهت إلى العراق في يوليو 2003 حملت على متن طائرات"هرقل"بعدما وافقت حكومة إسبانيا حينها على ارتداء أفراد قواتها شارة مرسوم عليها صليب"القديس جيمس"الملقب بـ"قاتل المسلمين"الذي قاد حملات الاستيلاء على الأندلس وسفك دماء أهلها في مجزرة الصليب المروعة المعروفة..
وهل تخطئه جموع المنصرين المصاحبين لجيش العدوان الأمريكي والأوروبي (الصليبي المسمى تخفيفًا بقوات التحالف) على أفغانستان؟!!
ما الذي حدا بالبابا لأن يخوض في مسارب التاريخ ويجتهد في التواصل مع الامبراطور البيزنطي الذي استشهد بعباراته الغشومة إلا ليصل الماضي الصليبي غير المشرف بحاضر صليبي آخر لا يخالفه إجرامًا..
أما كان الأجدى بالبابا أن يعاين المشهد الأوروبي ليحكم على انتشار الإسلام في القارة العجوز، ففي مقابل فشل تنصيري هائل للفاتيكان وصحفه وإذاعاته وجمعياته وأمواله الضخمة في العالم تحميه آلات العدوان وجحافل جيوش الاحتلال، يتبدى النور في قلب أوروبا وإلى جوار جمهورية الفاتيكان الثيوقراطية من دعاة هبوا يمشون بهدي من الله، فيدخل الناس في دين الله أفواجًا، ليحقق الإسلام أكبر معدل انتشار"دين"في أوروبا ـ بل والعالم برمته ـ من دون أن تنطلق رصاصة واحدة"مسلمة"في أوروبا أو يستل الدعاة سيوفًا في بلدان العالم الغربي..
أما يخجل البابا يتحدث عن السيوف، والإسلام يعلو في أوروبا بأعلى معدل انتشار فيها لدين؟!
22-8-1427هـ
#الإسلام وانهيار الكنيسة تحدي البابا الجديد
محمد جمال عرفة
البابا الجديد جوزيف راتسينجر
يبدو أن اختيار كرادلة الكنيسة لبابا أوربي جديد وليس إفريقيًا أو لاتينيًا- هو الألماني"جوزيف راتسينجر" (بنيدكت السادس عشر) يعكس ما أشار إليه بعض الكرادلة ومراكز دراسات دولية قبل انتخاب البابا رقم 265 من أن البابا الجديد سيواجه ثلاثة تحديات كبيرة، أولها: صعود الإسلام وانتشاره في العالم وفي الغرب خصوصا في مقابل التعاون معه في ذات الوقت ضد موجات الإلحاد العالمي وتفشي انهيار القيم الأخلاقية على المستوى العالمي، والتحدي الثاني هو مواجهة انهيار الكنيسة الكاثوليكية وتقلص أتباعها خصوصا في الغرب. ويتصل بالنقطة الثانية التحدي الثالث، وهو مواكبة الكنيسة للتطور التكنولوجي العالمي الهائل وقدرتها على التوفيق بين آرائها الكهنوتية وهذا التقدم العلمي كي لا تتحول العلاقة مع العلماء إلى سابق عهدها في العصور الوسطى وعهود الهرطقة الدينية، بحيث لو نجحت الكنيسة في هذا فستكون أكثر تقاربًا مع الغربيين والعكس صحيح.
وهناك العديد من الإشارات التي ربما تثبت صحة ذلك، ففيما يتعلق بالتحدي الأول، يبدو أن البابا الجديد غير متوافق إلى حد ما مع الإسلام، إذ سبق له أن اعترض لأسباب دينية على انضمام تركيا للاتحاد الأوربي ووصف ذلك بأنه"خطأ فادح"و"قرار مخالف للتاريخ"، كما أنه طالب البابا السابق يوحنا بولس الثاني بأن ينص الدستور الأوربي الموحد على مسألة الجذور المسيحية لأوربا، يضاف إلى ذلك أن البابا الجديد الذي نشر عنه انضمامه في صباه للشبيبة النازية قد أظهر في السابق تقاربًا مع اليهود، حيث كان أول من ألقى كلمة ندد فيها بكراهية اليهود في العام الماضي أثناء منتدى عقد في نيويورك حول معاداة السامية، لذا ليس غريبًا أن يصفه كبير حاخامات تل أبيب"مائير لاو"بأنه صديق للشعب اليهودي، غير أنه بالنظر إلى خلفيته النازية يتوقع أن يتعرض البابا الجديد لابتزاز سياسي إسرائيلي.
وفيما يختص بالتحدي الثاني، فإن البابا يعد من أشد المدافعين عن العقيدة المناهضة لانحراف الكنيسة عن ثوابتها الأخلاقية، حيث كان يرأس"مجمع العقيدة والإيمان"الذي يحظى بنفوذ واسع، وهو وريث مجمع"المحاكم الدينية"التي اشتهرت بأحكام الإعدام عبر الحرق في نهاية القرون الوسطى، ومن جانب آخر، فإن هذا الاختيار يعني التركيز على أوربا معقل الكاثوليكية الذي يتهاوى مع عزوف الغربيين عن الكنيسة أكثر من التركيز على المناطق الجديدة المكتسبة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، ولو كان الكرادلة قد اختاروا بابا لاتينيا أو إفريقيا مثل الكاردينال النيجيري"فرنسيس أرينزي"لكان التصور هو أن الكنيسة ستسعى للتركيز على رعاياها المكتسبين الجدد في هذه المناطق.
أما شواهد التحدي الثالث، تتضح من حقيقة أن البابا الجديد أكثر دفاعًا عن جماعات المسيحيين المحافظين والإنجيليين المتشددين، وسبق له القول قبل اختياره رئيسا للفاتيكان:"إن الحركات المسيحية الجديدة مثل الإنجيليين أو الكنائس الحرة في ألمانيا تزدهر؛ لأنها تدافع بضراوة عن القيم الأخلاقية الكبرى ضد تطور الذهنيات"، وأضاف"هذه المجموعات كانت تعتبرها الكنيسة قبل فترة خلت بأنها أصولية، وكانت منافسة كبرى للكنيسة الكاثوليكية، لكنها بدأت في التقارب لأنها أدركت أن الكنيسة وحدها تدافع عن القيم الأخلاقية وأننا نتقبل بفرح هذا التقارب"، وفي مقابل ذلك، فهو من أشد معارضي الخروج على تعاليم الكنيسة والرافضين للتوجهات العلمية الحديثة المخالفة للعقيدة المسيحية، وقد انتهز فرصة صلاة قداس قبل الاجتماع السري لمجمع الكرادلة ليصدر تحذيرًا قاسيًا من"أن الاتجاهات الحديثة غير الإلهية يجب أن ترفض"، ما اعتبر دليلا على تشدده وعلى صدامه المتوقع مع العلم الحديث ودعاة تطوير الكنيسة الكاثوليكية لتجذب أتباعها الشاردين أو الخارجين منها ودعاة العلمانية.
على أن أبرز ما يحوز الاهتمام هو ما يتصل مباشرة بالعالم الإسلامي للوقوف على درجة التعاون أو الصدام بين البابا وبين الإسلام وموقفه من حوار الأديان الذي طالما شجعه البابا"يوحنا بوليس الثاني".
مع حوار الأديان أم ضده؟
يلاحظ أن أغلب الدراسات والأبحاث الغربية والأمريكية ركزت على قضية حوار الأديان وتحدي انتشار الإسلام في العالم خصوصًا في ظل العزوف عن الكنيسة وتزايد موجات الإلحاد في العالم الغربي، وكان السؤال الأكثر إلحاحًا هو كيف سيتعامل البابا الجديد مع ملف تحدي الإسلام؟ بالحوار..أم بدونه..ومن ثم الصدام.
وتعد دراسة"سكوت أبليبي"Scott Appleby أستاذ التاريخ ومدير"معهد كروك للدراسات حول السلام العالمي"التابع لجامعة نوتردام الأمريكية والمنشورة بمجلة"فورين بوليسي"الدورية العلمية الأمريكية، رغم أن تاريخها يرجع إلى فبراير عام 2004 إحدى أهم الدراسات التي أشارت مبكرًا إلى التحديات التي على البابا الجديد مواجهتها، ويبدو أنها قد أخذت في الاعتبار عند اختيار البابا الجديد، فهي تتناول ثلاث تحديات رئيسية هي:
1 -تحدي العلمنة الغربية: بمعنى تصاعد المادية وتزايد الإلحاد والبعد عن الدين في الغرب، مع تزايد العداء من جانب هؤلاء العلمانيين (اللادينيين) للمعتقدات الدينية والسخرية منها وخصوصا الكاثوليكية، وهو ما انعكس في رفض الاتحاد الأوربي طلب البابا النص على الجذور المسيحية لأوربا في دستورها الموحد، وجانب من هذه الأسباب متعلق بانهيار الكنيسة في أمريكا وأوربا وانتشار فضائح القساوسة الجنسية في النمسا وأيرلندا وأمريكا.