وكان من عادة الحاكم في كل عيد أن يطلق لجمهور الشعب أي سجين يريدونه. وكان عندهم وقتئذ سجين مشهور اسمه باراباس، ففيما هم مجتمعون، سألهم ببلاطس: (من تريدون أن أطلق لكم باراباس أم يسوع الذي يدعى المسيح؟) إذ كان يعلم أنهم سلموه عن حسد، وفيما هو جالس على منصة القضاء أرسلت إليه زوجته تقول (إياك وذلك البار! فقد تضايقت اليوم كثيرًا في حلم بسببه) ولكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرضوا الجموع أن يطالبوا بإطلاق باراباس وقتل يسوع، فسألهم ببلاطس: (أي الاثنين تريدون أن أطلق لكم) أجابوا: (باراباس) فعاد يسأل: (فماذا فعل يسوع الذي يدعى المسيح) أجابوا جميعًا: (ليصلب!) فسأل الحاكم: (وأي شر فعل؟) فازدادوا صراخًا (ليصلب) فلما رأى ببلاطس أنه لا فائدة، وأن فتنة تكاد أن تنشب بالأحرى، أخذ ماء وغسل يديه أمام الجمع وقال: (أنا برئ من دم هذا البار فانظروا أنتم في الأمر) فأجاب الشعب (ليكن دمه علينا وعلى أولادنا) فأطلق لهم باراباس وأما يسوع فجلده، ثم سلمه إلى الصلب". (انجيل متى 27) ."
ومنذ اليوم الذي كتب فيه الانجيل ولم تتغير هذه القضية عند النصارى وهي أن اليهود كفار قد سعوا في قتل المسيح بل قتلوه وصلبوه حسب اعتقاد النصارى وادعاء اليهود أنفسهم منذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا. قال - تعالى -عنهم في القرآن الكريم: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا وقولهم أنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله} فهذه دعواهم وتبجحهم وافتخارهم بهذا الأمر.
ولم يطرأ قط على عقائد اليهود في المسيح منذ ذلك اليوم وإلى يومنا هذا أي تغيير بل مازال المسيح عندهم ابن زنا، مهرطق كاذب مدع للنبوة وليس بنبي..
فأتى البابا وهو رأس الكنيسة الغربية كنيسة روما التي تمثل نحو نصف نصارى العالم ليعلن أن يهود اليوم غير يهود الأمس وأنهم برءاء من دم المسيح، هذا تبديل كامل للدين، وهرطقة عظيمة تنسف العقيدة النصرانية من أساسها..ثم إن هذه التبرئة لا تقوم على أي أساس أخلاقي إذ رفع التهمة عن المجرم دون سبب ليس له من تفسير إلا مناصرة الإجرام، فاليهود الذين سعوا في قتل المسيح مجرمون، وأبناؤهم الذين جاءوا على إثرهم واعتقدوا عقائدهم وسبوا المسيح بما سبه آباؤهم، ومازالوا يفتخرون بقتله وصلبه -حسب زعمهم- هم مجرمون مثل آبائهم.
ومع هذا فقد جاء هذا البابا وافتتح مشروعه الصهيوني بهذا التبديل في عقائد النصرانية خدمة لليهود فإن تبرئة اليهود المعاصرين من جريمة آبائهم السابقين لا تنبني على أي أساس أخلاقي أو ديني، وإنما كانت من أجل التمهيد لإزالة ما في نفوس النصارى بل ما في عقائدهم نحو اليهود، لتبدأ حقبة جديدة تصبح النصرانية فيها دينًا في خدمة اليهودية.. وهذه هي المهمة التي قام بها هذا البابا منذ توليته.
وقد استغل اليهود هذه الحقبة أيما استغلال فكانت الدعوة اليهودية في أوساط الشعوب النصرانية أنهم أمة مظلومة مهضومة تحتاج إلى وطن تسكنه، وأن هذا الوطن هو الأرض التي بشرت بها التوراة التي يؤمن بها اليهود والنصارى، وأنهم يجب أن يتعاونوا في قتل أعداء النصارى واليهود الذين اغتصبوا هذا الوطن هذه المدة الطويلة من الزمان.
ثم كانت الفرية العظمى التي نشرها اليهود وأقرها البابا وتبنتها الكنيسة الغربية، وهي أن عودة المسيح إلى الأرض مرهونة بأن تكون القدس بيد اليهود، وأن بناء الهيكل الذي بشر به المسيح بعد عودته لن يكون إلا إذا أصبحت القدس بأيدي اليهود.
وهذه الفرية تكذب ما جاء به الانجيل، وما لعن به المسيح عيسى بن مريم اليهود إلى يوم القيامة.. فقد قال لهم:(الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون! فإنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الأبرار، وتقولون: لو عشنا في زمن آبائنا لما شاركناهم في سفك دم الأنبياء فبهذا تشهدون على أنفسكم بأنكم أبناء قاتلي الأنبياء! فأكملوا ما بدأه آباؤكم ليطفح الكيل!
أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تفلتون من عقاب جهنم لذلك ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء ومعلمين، فبعضهم تقتلون وتصلبون، وبعضهم تجلدون في مجامعكم، وتطاردونهم من مدينة إلى أخرى، وبهذا يقع عليكم كل دم زكي سفك على الأرض: من دم هابيل البار إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح الحق أقول لكم: إن عقاب ذلك كله سينزل بهذا الجيل.
يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، فلم تريدوا! ها إن بيتكم يترك لكم خرابًا! فإني أقول لكم إنكم لن تروني من الآن، حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب.
علامات نهاية الزمان:
ثم خرج يسوع من الهيكل، ولما غادره تقدم إليه تلاميذه، ولفتوا نظره إلى مباني الهيكل فقال لهم: أما ترون هذه المباني كلها؟ الحق أقول لكم: لن يترك هنا حجر فوق حجر إلا ويهدم). (انجيل متى 24) .
إن أعظم جريمة يتوج بها كاهن روما الأعظم (بولس الثاني) ويختم بها حياته في خدمة الصهيونية هو هذا البيان الذي صدر باسم الفاتيكان في 16/3/1998، والذي تم إعداده في عشر سنوات والذي يجعل ما تعرض له اليهود خلال الحرب العالمية الثانية هو أعظم أحداث القرن الماضي، وأن على كل نصارى العالم الاعتذار لليهود والتكفير عن ذنبهم تجاههم.
ويدعو البابا الذي صدر البيان باسم الكنيسة الكاثوليكية قائلًا: (في التطلع إلى مستقبل العلاقات بين المسيحيين واليهود ندعو في بادئ الأمر إخواننا وأخواتنا الكاثوليك إلى تجديد اطلاعهم وإدراكهم للجذور العبرية لإيمانهم، ونسألهم أن يتذكروا دومًا أن يسوع كان من سلالة داود وأن مريم العذراء والرسل ينتمون إلى الشعب اليهودي وأن الكنيسة تستمد عونها من جذور شجرة الزيتون الطيبة التي طعمت بجذوع الزيتون البري لغير اليهود.
وأن اليهود هو أخوتنا العزيزون كثيرًا بل في الواقع هم بمعنى ما"اخوتنا الأكبر سنًا".
في نهاية هذه الألفية ترغب الكنيسة الكاثوليكية في التعبير عن أسفها إزاء الأخطاء والهفوات التي قام بها أبناء وبنات الكنيسة في جميع العصور، إنه فعل توبة (Teshuva) ما دمنا كأبناء كنيسة مرتبطين بالخطايا كما نحن مرتبطون بأفضال كل أبنائنا، إن الكنيسة تنظر باحترام عميق ورحمة صادقة إلى تجربة الإبادة -المحرقة- التي عانى منها الشعب اليهودي خلال الحرب العالمية الثانية، وليست المسألة مجرد كلمات بل إنها بالفعل تعبير عن التزام وثيق، أننا قد نخاطر بتسبب موت ضحايا أبشع عمليات القتل وأفظعها، مرة أخرى لم نملك الرغبة الأكيدة والمتقدة بالعدالة، وإن لم نلزم أنفسنا لأن نضمن عدم غلبة الشر على الخير أبدًا كما حدث بالنسبة إلى ملايين الأطفال من الشعب اليهودي.. فالإنسانية لن تسمح بحدوث كل هذا مرة جديدة.
إننا نصلي لأن يؤدي أسفنا للمأساة التي عانى منها الشعب اليهودي في هذا القرن إلى قيام علاقة جديدة مع الشعب اليهودي، ونتمنى أن يتحول إدراك خطايا الماضي إلى إرادة راسخة أكيدة لبناء مستقبل جديد لا يكون فيه بعد الآن عداء لليهودية بين المسيحيين، أو عداء للمسيحية بين اليهود.. وإنما احترام متبادل مشترك بما يناسب أولئك الذين يعبدون خالقًا واحدًا وربًا واحدًا ولديهم أب واحد في الإيمان هو إبراهيم.