ثمّ قام البابا بتغيير جذري في مفاهيم الكنيسة يتناسب مع التطورات والتغييرات التي قام بها منذ اعتلائه الكرسي الرسولي، فأصدر الفاتيكان عام 1985 وثيقة حول"العلاقات الكاثوليكية اليهودية"، وحثّت الوثيقة جميع الكاثوليك في العالم على استئصال رواسب العداء للسامية، وذكّرتهم أن المسيح عبراني أيضًا، ولذلك يجب تفهّم تمسّك اليهود بأرض أجدادهم، واستمر هذا التغيير الدراماتيكي في موقف الكنيسة من اليهود إلى أن حصل زلزال كبير جعل هذه العلاقة متميزة جدًا، إذ إن البابا يوحنا بولس الثاني لم يكتف بما قام به من تغييرات في أسس الكنيسة ما كانت لتحصل لولا وجوده في منصبه (وهو الأمر الذي أعاد مسألة الشبهات في تنصيبه، والهدف من وجوده، والقوى الداعمة له إلى الواجهة من جديد) فأراد تأكيد حقيقة نواياه ونوايا الفاتيكان وليس فقط قراراته تجاه اليهود، فقام في عام 1986 بزيارة كنيس يهودي في روما ليكون بذلك أوّل بابا في تاريخ الباباوية يزور كنيسًا يهوديًا، ثمّ قدم اعتذارًا خطّيًا وشفهيًا عما يسمى"بالهولوكست اليهودي"عبر الوثيقة الصادرة عن الفاتيكان في 16/3/1998، وجاء فيها:"عندما طردت النازية من أراضيها جموع اليهود ووحشية الحركات العنيفة التي أصابت أناسًا عُزَّلا من السلاح، كل هذا كان يجب أن يحرك الشك بما هو أسوأ، هل قدم النصارى كل مساعدة ممكنة للمطاردين وبخاصة اليهود؟ لا نستطيع أن نعرف كم عدد النصارى في الدول التي احتلتها أو حكمتها القوى النازية أو حلفاؤها، احتجوا بغضب على فقدان جيرانهم اليهود ولم يكونوا شجعانًا بما فيه الكفاية لسماع أصواتهم المعارضة، وللنصارى أقول: إن هذا الحمل الثقيل الجاثم على ضمائرهم بخصوص إخوانهم وأخواتهم خلال الحرب العالمية الأخيرة يجب أن يكون مدعاة للندم".
في شهر تشرين ثاني من عام 1991 صرح بأنه يصلي من أجل أن يحيا"إخوتنا اليهود"بسلام في أرضهم، ثم في كانون أول من عام 1993 وقع الفاتيكان وثيقة تبادل دبلوماسي مع دولة إسرائيل، وفي نهاية عام 1997 قدم البابا يوحنا بولس الثاني وثيقة بعنوان (نحن نتذكر) لمناقشة وتعديل النصوص في العهد الجديد التي تحمل اليهود مسؤولية صلب المسيح وقصة تلاميذ المسيح بصفة خاصة، وكان يشير إلى مثل النص الإنجيلي القائل لليهود على لسان المسيح - عليه السلام:"أيها الشعب الغليظ الرقبة، يا أولاد الأفاعي، يا أبناء الشيطان، أنتم لستم من أبناء إبراهيم، أنتم أبناء الشيطان"إلى أنه معاداة للسامية، فعمد إلى طمسه.
وقد أثار سخط معظم المسيحيين الشرقيين حين وقف متفرجًا إبان قصف اليهود لكنسية المهد في الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومحاصرة قواتها لها، وهو الأمر الذي يثير العجب مقارنة من موقفه من اليهود وموقفه من أبناء كنيسته!!
* دور البابا يوحنا بولس الثاني في انهيار الاتّحاد السوفيتي:
تمكن الفاتيكان عبر البابا من لعب دور أساسي ومحوري في القضاء على الشيوعية، وانهيار الكتلة الشيوعية في أوروبا الشرقية، ويعد البابا يوحنا من أهم وأخطر اللاعبين الذين عجلوا بسقوط الاتحاد السوفيتي عندما بدأ حملة ناجحة لإسقاط النظام الشيوعي في موطن رأسه بولندا.
وربما كان هذا النجاح الذي حققه الفاتيكان في لعب دور أساسي في الحرب الباردة يطرح سؤالًا هامًا حول طبيعة الدور السياسي الذي لعبه الفاتيكان خلال القرن العشرين، وما إذا كان الفاتيكان يلعب دورًا سياسيًا أم لا؟ وما مدى هذا الدور وحجمه وقدرته على التأثير.
على العموم افترض البعض ونتيجة للطريقة التي اعتلا فيها يوحنا بولس الثاني الكرسي الرسولي، ونظرًا لخرقه عرفًا قارب الخمسة قرون من اعتلاء بابا غير إيطالي المنصب، ولقدومه من بلد عرف بأنّه منطلق لزعماء اليهود في أوروبا سابقًا، ونظرًا لظروف موت سلفه السابق الغامضة، والذي قيل إنه كان لا يتلاءم مع المشاريع المناهضة للشيوعية لكونه مناصرًا للفقراء والمزارعين والفلاحين، ومتمسكًا بموقف الكنيسة الصلب من اليهود، أنّ هناك ترتيبًا أمريكيًا أوروبيًا في اختياره خاصّة أن هذا البابا يرجع إليه الفضل في إعادة العلاقات الدبلوماسية للفاتيكان مع الولايات المتحدة عام 1984م في عهد الرئيس اليميني المسيحي الأمريكي رونالد ريغان.
وبدأ دور البابا في خلخلة الاتحاد السوفيتي منذ استلامه منصبه، ففي 2 يونيو 1979 بعد ثمانية أشهر فقط من انتخابه كبابا؛ عاد يوحنا بولس الثاني إلى موطنه الأصلي بولندا (مقر حلف وارسو) لمدة تسعة أيام لزيارة كانت بداية انهيار الاتحاد السوفيتي من خلال دعمه لاتحاد نقابات العمال المستقلة (تضامن) في بولندا، حيث ساعدها على الوصول للسلطة لتصبح أول حكومة حرة في الكتلة الشرقية، ومن خلال مطالبته القوية بحرية العقيدة والممارسة الدينية في دول العالم الشيوعي وبخاصة في وطنه، وكان ممّا قاله في الجوع المحتشدة هناك خطبة نارية جاء فيها:"إن المسيح يحارب الشيوعية، لا تكونوا اشتراكيين، نفهم من الكاهن الأكبر، نريد الله في مدارسنا، نريد الله في منازلنا.."، وكان البابا قد أصدر قبل عام ونيف كتاب بعنوان (الذاكرة والهوية) قال فيه: إن الشيوعية كانت «شرًا لابد منه"، وإن هذا الشر المستطير كان يبتلعنا."
حاول النازيون أثناء الحرب وبعد ذلك الشيوعيون في أوروبا الشرقية إخفاء حقيقة ما كانوا يفعلونه عن أعين الرأي العام، ولم يرغب الغرب لفترة طويلة في تصديق إبادة اليهود"، وتكلّم في الكتاب عن محاولة الشيوعيين اغتياله عبر التركي محمد علي آغا، ممّا يدل على أن البابا كان يخلق المتاعب للشيوعيين، وهو ما حصل بالفعل، وأدّى إلى انهيارهم بمساعدته، وقد أشار العديد من المحللين والكتاب والمتابعين إلى هذا الدور وعلاقة البابا بالمخابرات العالمية، ودوره في العلاقات الدولية، ومنهم كتاب"صاحب القداسة"الذي يشير إلى هذا الأمر."
ويبدو أن البابا تغلّب في النهاية على زعماء الكرملين، فعندما كان يتم الحديث أمام الزعيم جوزيف ستالين عن خطر البابا، كان يجيب ساخرًا:"ترى كم فرقة عسكرية يمتلكها هذا البابا؟".
* المرشحون لمنصب البابا وطريقة اختيارهم:
في شهر مايو من عام 2001 أقام الفاتيكان مؤتمر لكبار الكرادلة تحت عنوان (مستقبل الكنيسة في الألفية الثالثة) ، وخلاله تمت مناقشة اختيار خليفة للبابا الحالي الذي أصيب بعدد كبير من الأمراض منها: الشلل الرعاش، وبدا واضحًا أن التنافس على منصب البابا الجديد ينحصر في كرادلة من أميركا اللاتينية وإيطاليا التي ظل منصب البابا محصورًا في كرادلة منها لقرون طويلة قبل أن يأتي البابا الحالي من أصل بولندي، وطبقًا لتقاليد الفاتيكان في اختيار البابا الجديد يتم دعوة عشرة من كبار الكرادلة الذين لم يتجاوزوا الثمانين عامًا, والبالغ عددهم 134 كردينالًا إلى اجتماع سري لاختيار من سيقود الكنيسة الكاثوليكية بعد البابا الحالي، وبعد سلسلة من الاجتماعات يتوصل المجتمعون إلى تحديد بعض الأسماء التي ينطبق عليها شروط الترشيح للمنصب البابوي، والتي في أغلبها تتعلق بتاريخه في سلك الرهبنة، وجهوده في خدمة المسيحية على المستوى العالمي، إضافة إلى عمره وجنسيته.