فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 321

أقيمت على هذه البقعة التي يحتلها المسجد الأموي اليوم المعابد العديدة، أقدم ما نعرفه عنها ـ كما يقول الدكتور الريحاوي ـ معبد نسب للإله «حَدَدْ» (إله العواصف) ، أقامه أهل دمشق في العهد الآرامي في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وتلاه في عهد الرومان معبد نسب للإله «جوبيتير» (Jupiter Damascenien) وكان هذا المعبد، الذي ما تزال آثار منه باقيةً إلى اليوم في محلتي المسكيّة والنوفرة وغيرهما من الأحياء المحيطة بالجامع. يحتلُّ (المعبد) مساحة كبيرة من الأرض، بلغ طول سوره الخارجي (380) مترًا، وعرضه (300) مترًا. وكان المعبد الحقيقي مشيدًا داخل هذا السور، فوق البقعة التي أقيم عليها فيما بعد الجامع الأموي، ويؤلف المعبد مستطيلًا طوله (156 مترًا) ، وعرضه (97 مترًا) فقط، له في زواياه الأربع أبراج مربعة، ويحيط به من الداخل ـ كما يعتقد الدكتور الريحاوي ـ رواق على شاكلة معبد مماثل معاصر له ما يزال قائمًا إلى اليوم في تدمر يسمى معبد «بِلْ» أي بعل.

وكان في وسطه معبد صغير هو الهيكل (Sella) . وله أبواب أربعة، أفخمها الباب الشرقي، ولكن لم يبق منها سوى الباب الجنوبي الذي يشاهد خلف المحراب الكبير، تحوّل هذا المعبد، معبد جوبيتير الدمشقي بعد انتصار المسيحيّة على الوثنية في أواخر القرن الرابع الميلادي إلى كنيسة، فقد شيدت في داخله ـ أيام الإمبراطور «تيودوسيوس» ـ كنيسة حديثة على اسم القدِّيس يوحنا المعمدان.

وبالمناسبة: لأن المسيحيين يعتقدون أن «الله هو المسيح عيسى ابن مريم» أوبالآرامية «يسوع» فإنهم يعتبرون النبوات مكتسبة، وهي مفتوحة إلى يوم القيامة، ومن هنا فإن من القديسين من قد يصبح نبيًا، والقديّس يوحنا المعمدان هو نبي عند المسيحيين أيضًا !!

حول قبر نبي الله يحيى (يوحنا المعمدان) :

البابا سيزور - كما أُعلن - هذا القبر، وهو الحجّة التي يقدّمها لزيارة المسجد، وهنا لابدّ أن نقول بأن هذا القبر ـ كما هو معروف ـ مشكوك جدًا في صحته، وبالرغم من أن ابن عساكر ينقل برواية لا تصح أنهم رأوا عند عمارة المسجد مغارة، فخبّروا بها الوليد، فنزل إليها، والشموع بين يديه، فوجد غرفةً صغيرة، ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع، فيها صندوق فيه سفط (قفّة) فيه رأس، سليم الجلدة والشعر، مكتوب عليه أنه رأس يحيى بن زكريا، فأمر بتركه على حاله، وجعل للعمود القائم على المغارة علامة تميّزه، وبقي كذلك فترة، ثم وُضع فوقهُ تابوت عليه اسم يحيى، رآه ووصفه ابن جبير في أواخر القرن السادس الهجري، وبعد ذلك تاريخ رحلة ابن بطوطة، ثم أقيمت هذه القبة في وقت لاحق كما يذكر علي الطنطاوي.

والظاهر أن هذا كان عند هدم الكنيسة التي ضمّت إلى المسجد كما سيأتي.. وبالرغم مما ذكره ابن عساكر فإن الوليد لم يتخذ عليه قبرًا، ربما للشك في صحته، أو للنهي الوارد في الإسلام عن اتخاذ القبور مساجد. والثابت من تاريخ سيدنا يحيى بن زكريا عليه السلام ـ كما يقول الطنطاوي أيضًا ـ أنه كان على عهد المسيح عليه السلام ، وأن الإمبراطور الروماني أمر بقتله، وسلّم رأسه إلى الراقصة الفاجرة، فعبثت به، ولم يُعلم مصيره، فهو قد قتل في الأردن، قبل عمارة الأموي بنحو ستمائة سنة، فمن أين وصل الرأس إلى هذه المغارة؟ وكيف قطع هذه المسافة على الأرض، وفي الزمان، ثم استقر سليمًا في هذا السفط؟

بل كيف دفن هنا وكان المسجد ما يزال معبدًا وثنيًا، ولم تبن عليه الكنيسة إلاّ بعد أربعمائة سنة! أيام الإمبراطور «تيودوسيوس» ! إن عند المسيحيين أكثر من عشرين كنيسة [شرقية] ، في كل منها قبر ليحيى عليه السلام! وفي قرية سبطيا قرب نابلس ، حيث قتل، قبرٌ له يقدِّسه المسيحيون!.

ليس لدينا حتى الآن دليلٌ على إثبات أن رأسه دفن هنا، ولدينا أدلة قويَّة على نفي ذلك.

-اقتسام المعبد أم اقتسام الكنيسة؟

عندما فتحت دمشق، دخل المسلمون «عنوة» بسيوفهم المعبد الكبير، الذي بنيت الكنيسة في إحدى جهاته الغربية الجنوبية، حيث دخل المسلمون من الجهة الشرقية، ويبدو أنهم في قتالهم تجاوزوا أرض الكنيسة من جهة شرقي المدينة كلها، ووصلت سيوفهم إلى أبعد منها في المعبد، وكان أبو عبيدة قد دخل «صلحًا» من باب الجابية الجهة الغربية، وأبرم عقدًا مع أهل الشام ـ الذين كانوا مسيحيين آنذاك ـ بعد استلام المدينة يُنصُّ على أن يصبح للمسلمين ما وصل إليه السيف فيما فتح عنوةً، وما بقي فهو للمسيحيين ويطبق عليه أحكام الصلح.

وبالرغم من أن نص الاتفاق يجعل من حق المسلمين أن تكون الكنيسة لهم، إلاّ أنهم تركوهم وشأنهم ولم يهدموا الكنيسة، وبنوا مسجدًا في الأرض المتبقية للمعبد القديم، بجوار الكنيسة، وهكذا فقد اقتسم العرب هذا المعبد الكبير مع المسيحيين خارج العقد الذي بينهم، وقد فهم الكثير من المؤرخين العرب وعلماء الآثار والمستشرقين خطأً أن الجامع الأموي ما هو إلاّ الكنيسة ذاتها مع شيء من التعديل والزخرفة أدخلها الوليد عليها، ومبعث الخطأ كله هو أن القدماء لم يميّزوا بين معنى المعبد والكنيسة، فقالوا باقتسام الكنيسة، وهم يريدون اقتسام أرض المعبد.

يؤكد الباحث المتخصص بشؤون المسجد الدكتور الريحاوي أنه بعد الدراسة وتمحيص الروايات العربية والأجنبية تبين أن الكنيسة كانت تحتل جانبًا من أرض المعبد. ومكانها في الناحية الغربية منه. ولما دخل العرب المسلمون تركوا الكنيسة بكاملها للمسيحيين، وأقاموا مسجدهم الذي عرف بمسجد الصحابة في الجانب الشرقي من أرض المعبد، لأنه لا ينص أن يقتسم المسلمون الكنيسة ويصلّوا مع المسيحيين تحت سقف واحد!.

يؤيد هذا ـ حسب الباحث المذكور ـ قول المهلّبي «وبنى المسلمون الجامع إلى جانب كنيسة يوحّنا» ، وقول راهب فرنجي يدعى «أركولفس» زار دمشق بعد الفتح بثلاثين عامًا، بأنه شاهد كنيسة (مسجدًا) شيدها المسلمون اللامؤمنون (هكذا يسميهم لأنه مسيحي) .

إن الذي يجعل هذه هي الصورة الأقرب للواقع الذي حصل في تاريخ المسجد الأول، وبأن مكان الكنيسة كان في الجانب الغربي، وبأن مكان المسجد في الجانب الشرقي إضافة إلى ما ذكر، هو أن الروايات التاريخية تواترت في أن دخول الناس من باب المعبد الجنوبي، ليتجه المسلمون يمنة أي نحو الشرق، إلى مسجدهم، ويتجه النصارى يسرة، أي نحو الغرب، إلى كنيستهم والباب الجنوبي ما زال على حاله إلى الآن!.

ووصفه الحالي يؤكد أن الكنيسة كانت صغيرة. فثلاثة أرباع المسجد هو شرقي الباب، وقبر نبي الله يحيى يقع في الثلث الشرقي الأخير للمسجد، أي يقع في المعبد الذي تحول إلى مسجد دون أن يكون يومًا ما داخل الكنيسة.

-بناء المسجد الأموي الكبير:

على هذه الأرض (أرض المعبد) التي أصبحت حقًا للمسلمين بعد الفتح عنوة (حسب قانون الحرب الذي كان متعارفًا آنئذٍ) كان المسلمون قد بنوا مسجدهم، وتركوا عن طيب خاطر كنيسة المسيحيين رغم أنها حقّ لهم، تمامًا كما أخذ المسيحيون حقهم في بنائها على أرض المعبد من الوثنيين بعد انتصارهم عليهم.

كان المسجد في أقل من نصف مساحته الحالية (أي من باب النوفرة إلى ما قبل القبة) ، وكما تشير الكتب التاريخية، وهذا يعني فيما يعنيه أن قبر نبي الله يحيى كان داخل المسجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت