كل ذلك يوضح أنه في الوقت الذي كان العالم في أحوج ما يكون إلى الأمن الدولي بعد 11 سبتمبر، فيبدو أن متطلبات السياسات الأمريكية في الميدان والرأي العام الداخلي خلق حالة من الخدمة المتبادلة غير المقصودة بين الكنيسة والدولة في الغرب لتخدم الأولى في مد الثانية بالطاقة الروحية للحملات العسكرية، مما يكرس السياسات الرسمية ويبررها لدى الرأي العام على أسس دينية، وهذا يطرح منظورًا آخر للأمن العالمي غير المنظور الذي يخدم السلام.
** كاتب ومحلل سياسي
نبيل شبيب**
بابا الفاتيكان
تقول الكنيسة الكاثوليكية في روما منذ بضعة قرون بعصمة البابا على رأسها، ولهذا لا تصدر عنه وثيقة مكتوبة، أو كلمة مرتجلة، أو تصريح بموقف، دون جمع معلومات ودراسة ومناقشة وصياغة ومراجعة، فلا يُعلن شيء إلاّ بعد ضمان -بحدود قدرة البشر وإن قيل ما قيل عن عصمتهم- ألاّ تضطر الكنيسة لاحقا إلى الرجوع عنه، ناهيك عن الاعتذار بسببه، وليس مجهولا أنّ بعض أخطاء الكنيسة التاريخية الكبرى لم تجد طريقها إلى اعتذار رسمي، إلاّ بعد مرور مئات السنين عليه. ولهذا لا ينبغي أن يتّجه الحديث عن الإساءة البابوية إلى الإسلام نحو محاولة تفسيرها وتأويلها بأنّها غير مقصودة، كلمة كلمة، وفي هذا التوقيت بالذات، كما لا تصحّ المبالغة في تحميلها أكثر ممّا تقول به في نطاق سياق المحاضرة التي تضمّنتها، وفي الحالتين لا يفيد الجدل حول اعتذار شكلي، فعلى افتراض صدوره لن يعني تبدّل أسس موقف بابا الفاتيكان.
من هو بنديكت السادس عشر؟
اسمه الأصلي يوزيف آلويس راتسينجر، ولد يوم 16-4-1927م في عائلة كاثوليكية متديّنة، في منطقة بافاريا، الأشهر من سواها في ألمانيا من حيث انتشار الكاثوليكية والتمسّك بها قديما وحديثا، ولا يزال يفخر بأنّ تعميده جرى سريعا في يوم ميلاده ليكون من"ماء عيد الفصح".
كان في السادسة عشرة من عمره عندما أعرب عن رغبته في أن يصبح قسيسا، ومَن يذكر أنّ له"ماضيا نازيا"يستشهدْ على ذلك بعمله في خدمة الجيش النازي لإنشاء حواجز ضدّ الدبابات في النمسا المجاورة لبافاريا، وذلك حتى الأيّام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وكان منذ عام 1941م من"شبيبة هتلر"، والواقع أنّ الانتماء إلى هذه المنظمة كان واجبا قسريّا على الناشئة من التلاميذ في معاهد معيّنة، مثل"سانت ميشائيل"الذي درس فيه.
والتحق راتسينجر فيما بعد بالجامعة لدراسة"علم الأديان"الكاثوليكي والفلسفة، وأظهر مبكّرا اهتمامه بالكتابات الفلسفية-الدينية، لا سيّما ما خلّفه الفيلسوف الديني"آوجوستينوس"، الذي كان في القرن الرابع الميلادي الركنَ الأساسي لتنظير تعاليم التثليث الكنسية وتثبيتها لدى الكاثوليك والأرثوذوكس، قبل انفصال الفريقين نتيجة خلافات على تفاصيل تلك التعاليم لاحقا.
حصل راتسينجر على الدكتوراة عام 1953م في العلوم الدينية، وعلى درجة الأستاذية عام 1957م في فرع"أسس علم الأديان"، وبدأ بالتدريس في العام التالي، لما يُسمّى الإملاءات العقدية الكنسية/ الدوجما وتاريخها، وفي عام 1959م بدأ التدريس في جامعة بون بمحاضرة عنوانها"إله الإيمان وإله الفلسفة"، ثم عام 1969م في جامعة ريجينسبورج (وهي الجامعة التي ألقى فيها محاضرته يوم 12/9/2006م، التي تضمّنت الإساءة إلى الإسلام) وفي عام 1977م أصبح كبيرَ الأساقفة في المدينة نفسها، وبعد شهر واحد تمّ تعيينه برتبة"كاردينال"، وفي تلك الفترة كان لقاؤه الأول مع سلفه يوحنا بولس الثاني، قبل أن يصل الأخير إلى كرسي البابوية في روما بفترة وجيزة.
في الفترة التي جمعت بين دراسته الجامعية ومناصبه الكنسية، بدأت اتجاهاته الكنسية بالظهور، ومن بينها التأكيد أنّ على البابا الكاثوليكي أن يأخذ في قراراته الحاسمة مجموع الكنيسة في الاعتبار، منتقدا الانفراد والمركزية في اتخاذ القرار الكنسي. ولكنّ"إصلاح الكنيسة"باتجاهٍ"ديمقراطي"لم يستمرّ طويلا، بل اضمحلّ نسبيا في مواقفه وكتاباته لاحقا، ويعلّل هو ذلك بتأثره بمصادماته سابقا مع أنصار ما يسمّى"ثورة الطلبة"، وأصبح في هذه الأثناء يُصنّف بين"المحافظين"في نطاق الكنيسة، والمقصود بهذا التصنيف في الدرجة الأولى مواقفه على الصعيد الاجتماعي، أي رفضه المطلق لتمييع موقف الكنيسة في قضايا العلاقات الجنسية، لا سيّما ما انتشر من تقنين الشذوذ في كثير من البلدان الغربية في هذه الأثناء، بالإضافة إلى رفضه انخراط النساء في المراتب الكنسية الكاثوليكية العليا.
في فترة وجود"الكاردينال راتسينجر"في الفاتيكان بات يوصف باليد اليمنى للبابا يوحنا بولس الثاني، ومن أسباب ذلك مسئوليته عمّا يسمّى"مجمع شئون الإيمان"، وهو الاسم الذي اختير لمجمّع كان يحمل سابقا المسئولية عن تثبيت تهمة الهرطقة على مَن تقرّر الكنيسة محاكمتهم. وعزّزت تلك الفترة الجانب"العقلاني"في قناعات راتسينجر الذاتية، وارتبط باسمه إصدار الكنيسة عام 1998م قرارا بفتح الملفّات الوثائقية القديمة عن تاريخ المحاكمات التي أودت في القرون الوسطى بحياة العديد من العلماء والمعارضين.
اعتلى كرسي البابوية يوم 19-4-2005م، ليواجه عددا من المهامّ المقترنة بالتساؤلات عمّا ستكون عليه سياسة الكنيسة في عهده، بعد أن اكتسبت صبغةً جديدة وحركةً دائبة في عهد سلفه يوحنا بولس الثاني، الذي بقي في كرسي البابوية أكثر من ربع قرن. وأهمّها ثلاثة:
1-إنعاش القيم الكنسية في السياسات الرسمية على حساب العلمانية بعد انتشار ظاهرة"التديّن"الشعبي عالميا.
2-التعامل مع تبعات حملة الهيمنة الأمريكية وعسكرتها عالميا، والمقترنة بتصوّرات"الصهيونية المسيحية"، والعداء للإسلام تخصيصا.
3-مركزية موقع الكنيسة الكاثوليكية في روما (وكان من أوائل قراراته إلغاء كلمة"الرومي"من لقب البابا الكاثوليكي الرومي) ، وبالتالي مركزية دورها على خارطة الطوائف والمذاهب المسيحية وخارطة الحوار مع"الآخر"عقديا وثقافيا.
بنديكت السادس عشر والإسلام
صدرت عن البابا الكاثوليكي كلمةُ مجاملةٍ عابرة في أثناء لقاء مع قيادات دينية عالمية، عقب تنصيبه على رأس الفاتيكان بأيام، فأعرب فيها عن امتنانه لوجود مَن يمثّل الإسلام بينهم، وتقديره للحوار بين المسلمين والمسيحيين.
باستثناء ذلك مرّت الشهور التسعة الأولى على وجود يوزيف كاتسينجر في منصب البابا الكاثوليكي باسم بنديكت السادس عشر دون أن يصدر عنه ما يوضّح مواقفه من القضايا الأساسية التي يواجهها مع كنيسته ودولة الفاتيكان، بما في ذلك مسألة الحوار عموما، ومع الإسلام تخصيصا.
ومعظم ما يُنشر عن توجّهاته يأتي نتيجة دراسات قامت بها جهات أخرى، تستقرئ سياساته البابوية في الفاتيكان من أفكاره ومواقفه قبل حمل هذه المسئولية، وهنا ينبغي التمييز بين:
1-موقف رسمي يصدر عن مسئول في الكنيسة الكاثوليكية، فلا يخرج به عادة عن الموقف المقرّر من جانبها، بغضّ النظر عن موقفه الشخصي واحتمال تناقضه مع الموقف الرسمي أو تمايزه عنه قليلا أو كثيرا.
2-موقف ذاتي شخصي، يظهر عادة في أثناء المناقشات أو في مناسبات معينة، فيعبّر عن توجّه قائم بذاته عند صاحبه، يمكن أن يؤثّر على صناعة القرار الكنسي على حسب موقع المسئولية لصاحبه، وهو ما يعني ازدياد تأثيره على صناعة القرار عبر الوصول إلى كرسي البابوية.