المسألة الثالثة: { مِنْ } في قوله { مَن لَّعَنَهُ الله } يحتمل وجهين: الأول: أنه في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، فإنه لما قال: { قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك } فكأن قائلًا قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله ، ونظيره قوله تعالى: { قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم النار } [ الحج: 72 ] كأنه قال: هو النار . الثاني: يجوز أن يكون في موضع خفض بدلًا من ( شر ) والمعنى أنبئكم بمن لعنه الله .
المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى ذكر من صفاتهم أنواعًا: أولها: أنه تعالى لعنهم ، وثانيها: أنه غضب عليهم ، وثالثها: أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت . قال أهل التفسير: عنى بالقردة أصحاب السبت ، وبالخنازير كفار مائدة عيسى . وروي أيضًا أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ، ومشايخهم مسخوا خنازير .
المسألة الخامسة: ذكر صاحب «الكشاف» في قوله { وَعَبَدَ الطاغوت } أنواعًا من القرآات: أحدها: قرأ أُبي: وعبدوا الطاغوت ، وثانيها: قرأ ابن مسعود: ومن عبدوا ، وثالثها: وعابد الطاغوت عطفًا على القردة ، ورابعها: وعابدي ، وخامسها: وعباد ، وسادسها: وعبد ، وسابعها: وعبد ، بوزن حطم ، وثامنها: وعبيد ، وتاسعها: وعبد بضمتين جميع عبيد ، وعاشرها: وعبدة بوزن كفرة ، والحادي عشر: وعبد ، وأصله عبدة ، فحذفت التاء للإضافة ، أو هو كخدم في جمع خادم ، والثاني عشر: عبد ، والثالث عشر: عباد ، والرابع عشر: وأعبد ، والخامس عشر: وعبد الطاغوت على البناء للمفعول ، وحذف الراجع ، بمعنى وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم ، والسادس عشر: وعبد الطاغوت ، بمعنى صار الطاغوت معبودًا من دون الله تعالى ، كقولك: أمر إذا صار أميرًا ، والسابع عشر: قرأ حمزة: عبد الطاغوت بفتح العين وضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت ، وعابوا هذه القراءة على حمزة ولحنوه ونسبوه إلى ما لا يجوز ذكره ، وقال قوم: إنها ليست بلحن ولا خطأ ، وذكروا فيها وجوهًا: الأول: أن العبد هو العبد إلا أنهم ضموا الباء للمبالغة ، كقولهم: رجل حذر وفطن للبليغ في الحذر والفطنة ، فتأويل عبد الطاغوت أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان ، وهذا أحسن الوجوه . الثاني: أن العبد ، والعبد لغتان كقولهم: سبع وسبع . والثالث: أن العبد جمعه عباد ، والعباد جمعه عبد ، كثمار وثمر . ثم استثلقوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى بالفتحة . الرابع: يحتمل أنه أراد أعبد الطاغوت ، فيكون مثل فلس وأفلس ، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى العين . الخامس: يحتمل أنه أراد: وعبدة الطاغوت كما قريء ، ثم حذف الهاء وضم الباء لئلا يشتبه بالفعل .
المسألة السادسة: قوله { وَعَبَدَ الطاغوت } قال الفرّاء: تأويله وجعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت ، فعلى هذا: الموصول محذوف .
المسألة السابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله . قالوا: لأن تقدير الآية وجعل الله منهم من عبد الطاغوت ، وإنما يعقل معنى هذا الجعل إذا كان هو الذي جعل فيهم تلك العبادة ، إذ لو كان جعل تلك العبادة منهم لكان الله تعالى ما جعلهم عبدة الطاغوت ، بل كانوا هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك ، وذلك على خلاف الآية . قالت المعتزلة: معناه أنه تعالى حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله { وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } [ الزخرف: 19 ] والكلام فيه قد تقدم مرارًا .
المسألة الثامنة: قيل: الطاغوت العجل ، وقيل: الطاغوت الأحبار ، وكل من أطاع أحدًا في معصية الله فقد عبده .
ثم قال تعالى: { أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا } أي أولئك الملعونون الممسوخون شر مكانًا من المؤمنين ، وفي لفظ المكان وجهان: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن مكانهم سقر ، ولا مكان أشد شرًا منه . والثاني: أنه أضيف الشر في اللفظ إلى المكان وهو في الحقيقة لأهله ، وهو من باب الكناية كقولهم: فلان طويل النجاد كثير الرماد ، ويرجع حاصله إلى الإشارة إلى الشيء بذكر لوازمه وتوابعه .
ثم قال: { وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السبيل } أي عن قصد السبيل والدين الحق . قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية عبر المسلمون أهل الكتاب وقالوا: يا إخوان القردة والخنازير ، فافتضحوا ونكسوا رؤوسهم .
وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61)
فيه مسائل:
المسألة الأولى: قالوا: نزلت هذه الآية في ناس من اليهود كانوا يدخلون على الرسول عليه الصلاة والسلام ويظهرون له الإيمان نفاقًا ، فأخبره الله عزّ وجلّ بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا لم يتعلق بقلبهم شيء من دلائلك وتقريراتك ونصائحك وتذكيراتك .
المسألة الثانية: الباء في قوله { دَّخَلُواْ بالكفر وَ . . . خَرَجُواْ بِهِ } يفيد بقاء الكفر معهم حالتي الدخول والخروج من غير نقصان ولا تغيير فيه ألبتة ، كما تقول: دخل زيد بثوبه وخرج به ، أي بقي ثوبه حال الخروج كما كان حال الدخول .
المسألة الثالثة: ذكر عند الدخول كلمة { قَدْ } فقال { وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر } وذكر عند الخروج كلمة { هُمْ } فقال: { وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ } قالوا: الفائدة في ذكر كلمة «قد» تقريب الماضي من الحال ، والفائدة في ذكر كلمة «هم» التأكيد في إضافة الكفر إليهم ، ونفى أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فعل ، أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرًا ، فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر ، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم .
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إنه تعالى أضاف الكفر إليهم حالتي الدخول والخروج على سبيل الذم ، وبالغ في تقرير تلك الاضافة بقوله { وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ } فدل هذا على أنه من العبد لا من الله .
والجواب: المعارضة بالعلم والداعي .
ثم قال تعالى: { والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ } والغرض منه المبالغة فيما في قلوبهم من الجد والاجتهاد في المكر بالمسلمين والكيد بهم والبغض والعداوة لهم ثم قال تعالى:وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)
المسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة . قيل: الإثم الكذب ، والعدوان الظلم . وقيل: الإثم ما يختص بهم ، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم ، وأما أكل السحت فهو أخذ الرشوة ، وقد تقدم الاستقصاء في تفسير السحت ، وفي الآية فوائد:
الفائدة الأولى: أنه تعالى قال: { وترى كَثِيرًا مّنْهُمْ } والسبب أن كلهم ما كان يفعل ذلك ، بل كان بعضهم يستحيي فيترك .
الفائدة الثانية: أن لفظ المسارعة إنما يستعمل في أكثر الأمر في الخير . قال تعالى: { يسارعون فِى الخيرات } [ آل عمران: 114 ] وقال تعالى: { نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الخيرات } [ المؤمنون: 56 ] فكان اللائق بهذا الموضع لفظ العجلة ، إلا أنه تعالى ذكر لفظ المسارعة لفائدة ، وهي أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيه .